رئيس اشتراكي لأميركا ..بعد أوباما - سمير كرم - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 7:12 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

رئيس اشتراكي لأميركا ..بعد أوباما

نشر فى : الأربعاء 25 فبراير 2009 - 4:54 م | آخر تحديث : الأربعاء 25 فبراير 2009 - 4:54 م

 كادت كلمة اوباما ان تعني التغيير في القاموس السياسي الاميركي .

فقد صعد اوباما الى الرئاسة بشعار التغيير ، واصبح الشعار يعني لكل طبقة وفئة وعنصر من الأميركيين ما يهمه او يتطلع اليه ، كما أصبح يعني بالنسبة لغير الاميركيين معاني مختلفة باختلاف الموقع الجغرافي على خريطة الصراعات .

غير انه – في التحليل النهائي – اذا استخدمنا هذا التعبير الغامض – فان التغيير الجوهري والحقيقي هو ان فوز اوباما جاء بأول رئيس أمريكي من أصل إفريقي ... فقط لا غير. وعدا ذلك فان اوباما سياسي تقليدي ينتمي للحزب الديموقراطي ، تربته السياسية والفكرية لا تكاد تختلف نوعيا عن تربية باقي زعامات هذا الحزب . ومع أن جماهير السود الاميركيين تدرك هذه الحقيقة إلا أنها ستبقى لزمن طويل ات مبهورة فخورة بما يمثله انتخاب اوباما من تغيير لها ولأميركا ... على الأقل وجدانيا .

من يدري، قد يصاب السود الأميركيون في النهاية بصدمة إحباط وخيبة أمل في أوباما – كغيرهم – لأنه قد لا يستطيع ان يمنحهم ما يأملون بلوغه .وقد يصاب التقدميون الاميركيون بدورهم بخيبات أمل يصنعها عجزه عن تلبية طموحاتهم اليسارية ... لكن ستبقى حقيقة هذا الحدث الذي تمثل في انتخاب رئيس لأميركا من أصل أفريقي ذات دلالات كبيرة وعميقة وتاريخية .

إنما لابد من الانتباه الى ان انتخاب رجل أسود من بين السياسيين الديموقراطيين التقليديين لا يشكل بحد ذاته تغييرا "أيديولوجيا" ذا قيمة كبرى .

أقولها مباشرة: لو أن أميركا انتخبت سياسيا اسود او ابيض او اسيويا او من السكان الاصليين انما خارج الاطار التقليدي الذي تصنع في بوتقته جماعات النخبة، التي ظلت تصل الى الحكم تباعا منذ استقلال الولايات المتحدة حتى اليوم لاختلف الامر ... لكان هذا هو الطريق الحقيقي إلى التغيير.

ولقد كان بالامكان – مثلا – بزوغ زعيم جديد من اليسار الاميركي في ظروف أزمة الرأسمالية العالمية ليحكم اميركا .. رجل من خارج إطار الحزبين العتيدين اللذين اصبح يطلق على حكمهما المتعاقب وصف حكم الحزب الواحد، الذي يكسب مرة بوجهه الديموقراطي ومرة اخرى بوجهه الجمهوري .

إن اليسار الأميركي – لمن يعرفه ويتابعه جيدا – قد انجب زعامات ذات ثقل وأهمية و"كاريزما" . لكن ايا من هذه الزعامات لم تفلح في الصعود الى الرئاسة ...وإن كانت قد حققت نتائج أخافت النظام الحاكم ونخبه الرأسمالية في أحيان كثيرة . وعلى سبيل المثال فإن نورمان توماس كان زعيما للحركة الاشتراكية الاميركية و مناهضا للحرب في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي ، وكان ذا وزن "قومي" في الحياة السياسية إذ حقق شعبية جعلته يوصف بانه "ضمير اميركا " ؛ خاض انتخابات الرئاسة الاميركية في كل مرة جرت فيها في عقدي الثلاثينات والاربعينات من القرن العشرين .

في اليوم الذي سافر فيه مارتن لوثر كنج الى النرويج لتسلم جائزة نوبل للسلام ، حرص زعيم حركة الحقوق المدنية للسود على ان يرسل الى نورمان توماس رسالة مسجلة بصوته قال فيها :" لا يمكنني ان أفكر بإنسان آخر فعل أكثر مما فعلته انت من اجل إلهام رؤية مجتمع حر من الظلم والاتستغلال ."

هذا مثال واحد . والامر المؤكد أن للاشتراكية والاشتراكيين تاريخ حافل في اميركا . لكن لماذا أخفق الزعماء اليساريون في ظل اكثر الظروف ملاءمة لانتصار قوى تؤمن بالصراع الطبقي وأولوية دور الطبقة العاملة وحتمية المساواة والغاء الملكية الخاصة وانتصار الاشتلراكية ؟
في كل الحالات كان الانقسام بين الاشتراكيين الثوريين والاشتراكيين الديموقراطيين والشيوعيين في الحياة السياسية الاميركية هو العامل الذي اوصل الجميع الى الفشل ...

حتى كان أقصى ما نالوه هو فوز زعيم الحزب الاشتراكي الاميركي يوجين ديبس باكثر من 900 الف من الاصوات الشعبية في انتخابات الرئاسة عام 1920 وهو داخل السجن متهما بالتحريض والغواية (...)

ولا يقل عن هؤلاء أهمية وبروزا الأكاديميون اليساريون الذين تمتليء بهم مناصب الأستاذية في مختلف المجالات في الجامعات الاميركية .. حتى بعد اكثر من انقضاء 50 عاما على الماكارثية . على رأس هؤلاء المفكر البارز بروفيسور تشومسكي الذي ربما لا يعرف كثيرون انه يشغل منصب أستاذ اللسانيات بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا .

وهو يملأ الحياة السياسية الاميركية والعالمية بآرائه التقدمية بشان الرأسمالية العالمية ومصيرها المحتوم كما بشان أخطاء وجرائم السياسة الخارجية الاميركية المنحازة لاسرائيل في الصراع العربي –الاسرائيلي وقبل ذلك بشان حرب اميركا على فيتنام .

الحقيقة ان الظروف لم تبد مواتية لانتصار الاشتراكيين في المعارك السياسية الاميركية – الانتخابية وغيرها- كما تبدو الان ...حيث بدا الاميركيون يدركون –كما تعبر الصحافة الأميركية التقليدية (فضلا عن الثورية) أن " الاشتراكية ليست كلمة قذرة " وان " الاشتراكية هي الحل " ابتداء من أميركا وعبرها إلى بقية العالم الراسمالي : التأميم وتأكيد وتكبير دور الحكومة والدفاع عن مصالح العمال والمهمشين والفقراء ومحدودي الدخل .

لكن النخب الاميركية نفسها التي ادخلت المجتمع الأميركي في الأزمة الخطيرة الراهنة لا تزال تتمسك بسطوتها وأرباحها والسياسات ذاتها التي أدت إلى هذه الأزمة التي توصف بأن" الأسوأ فيها لم يأت بعد".

لقد اندفع بعض ممثلي هذه النخب الرأسمالية إلى اتهام أوباما بالاشتراكية عندما شاع ان إدارته تفكر في تأميم البنوك والمؤسسات الكبرى المنهارة . وسارعت ادارة أوباما إلى نفي التهمة ، تهمة الاشتراكية ، عن الرئيس وعن الإدارة .

لقد تحولت الولايات المتحدة الى ميدان لصراع مفتوح بين أفكار الرأسمالية، وهي في مرحلة انحدار بل احتضار ، وافكار الاشتراكية في مرحلة عودة إلى الواجهة تثبت أنه ليس صحيحا ان انهيار الاتحاد السوفيتي هو "نهاية التاريخ".

من الصعب اصدار حكم من الآن بما ستكون نهاية هذا الصراع . فقد تعرضت الولايات المتحدة طوال القرنين الماضيين الى ثمانية أزمات تفاوتت في شدتها ، واستطاع النظام الراسمالي أن يعدل شروط بقائه وأن يعيش .

لكن الأزمة الراهنة تبدو مختلفة في عمقها وفي مدى تاثيرها .

فهل تنتخب اميركا في 2012 أو في 2016 رئيسا من خارج الحزبين التقليديين ؟

هل تنتخب اميركا رئيسا اشتراكيا في حياة الجيل الحالي بعد ان فاجأت العالم بانتخاب رئيس من أصل أفريقي ، وهو ما لم يكن متوقعا خلال هذا القرن ؟

يبدو هذا اليوم أمرا قريبا من الاحتمال لأن اليسار الأميركي لابد و أن يعي دروس إخفاقاته الماضية والانقسامات التي عصفت بفرصه وحالت دون صعوده الى القمة .

عندئذ سيكون "التغيير" بالمعنى الكامل للكلمة.

سمير كرم  كاتب سياسي مصري
التعليقات