الأبواب المغلقة - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 3:47 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

الأبواب المغلقة

نشر فى : الأحد 25 أكتوبر 2009 - 11:52 ص | آخر تحديث : الأحد 25 أكتوبر 2009 - 11:53 ص

 يقولون إن التاريخ يعيد نفسه، والأرجح أن أحداثه تتشابه وإن كان شتان بين سياق وسياق، هذا هو المعنى الذى قفز إلى ذهنها عندما أعلن عن إغلاق مدرستها لوجود أربع إصابات بها بمرض إنفلونزا الخنازير، فقبل ستة وثلاثين عاما بالتمام والكمال وفى شهر أكتوبر بالتحديد من عام 1973 أغلقت كل مدارس الجمهورية أبوابها وعُطلت الدراسة فيها حتى إشعار آخر. وقتها كان الجيش المصرى قد عبر القناة وزرع العلم على ضفتها الشرقية وحبس الكل أنفاسه حتى ليمكن القول إنه لو لم تستدع إجراءات تأمين الجبهة الداخلية وقف الدراسة لما انتظم فيها طالب، فقد تحول المصريون مع لحظة إذاعة البيان رقم (1) إلى كائنات تليفزيونية ليس يفصلها عن الجنود المشتبكين مع العدو إلا شاشة، طغت مشاعر الزهو والاعتزاز على كل ما عداها، واستنطق اللونان الأبيض والأسود تفاصيل المشهد البطولى على أرض سيناء بدمائه ورماله فى صدق نادر لم نعهده فى كل درجات الألوان المبهرة عبر تليفزيونات الثمانينيات وما بعدها.

كان هذا هو إحساسها بالموقف أثناء حرب أكتوبر، ومع ذلك ظل يداخلها حنين لا يقاوم إلى مدرستها، إلى البواب النوبى الواقف كالطود ليحرس الباب الحديدى ويرد المتطفلين من الشباب، إلى الراهبة الصارمة التى كادت تسقط يوما مغشيا عليها عندما ضبطت طبق كشرى فى درج طالبة مشاغبة وعاقبت كل الفصل من باب أن السيئة تعم، إلى أستاذ اللغة العربية الذى أهداها المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم فلازم مكتبتها وإن انتقلت من دار لأخرى ومن حى لثان، إلى الأشجار العجوز الوارفة التى كانت تظلل جلسات نميمة البنات وتسرب فجوات أغصانها المتشابكة ضحكاتهن الطازجة فتتصعد سماء، إلى الكانتين وشيكولاته روكيت التى أفسدت حشو أسنانها المرة تلو الأخرى ومع ذلك ظلت تحبها.

نعم كانت تعى الظرف الدقيق الذى يمر به بلدها، لكنها كانت فى لا وعيها ترفض فكرة الأبواب المغلقة وترفض أن يحول حائل بينها وبين المدرسة: المبنى والناس. وعندما سرى وقف إطلاق النار وعادت المدرسة تفتح أبوابها من جديد، تذكر تماما ذلك الشعور بالسعادة الدفينة الذى انتابها وهى تتمم على كل ما فيها كأن دهرا انقضى عليها، وقتها كانت مدارسنا عامرة بطلابها، وكانت الأجواء دافئة والمدرسون أصدقاء، كنا نتعلم.

بعد هذا العمر الطويل انقطعت صلتها بالمدرسة اللهم عندما كانت تقرأ نعيا لأحد أساتذتها فتدعو له من قلبها بالرحمة كما رباها صغيرة، أو عندما كانت تلتقى صدفة بأكثر زميلات التلمذة «شقاوة» فتجدها قد تحولت بقدرة قادر إلى داعية دينية ذات صول وحول، أو عندما كانت تمر بالمبنى الدراسى نفسه فتجد فناءه يضيق وأشجاره تُبتر وفصوله تعلو وطالباته تزيد. حتى إذا ما علمت بإخلاء المدرسة بسبب حالات إنفلونزا الخنازير الأربع تجددت هواجسها القديمة من فكرة الأبواب المغلقة واستعادت فى داخلها ما جرى قبل ستة وثلاثين عاما وإن كان السياق غير السياق.

فمع أن الغلق فى الحالتين كان دافعه حماية أمن الوطن إلا أن جهاد السبعينيات كان يتعلق بالمعنى الحرفى الدقيق لمفهوم الأمن، أما اليوم فقد تبدد هذا المعنى بالمطلق لأن حرب أكتوبر هى آخر الحروب المصرية ولأن كل من يطالب لمصر بدور عربى ليس عسكريا بالضرورة فى غير حروبها يردون عليه من فورهم بأن حروب العرب أفقرت شعب مصر فلا نحن قمنا بدور يذكر ولا اقتات شعبنا. ومع أن الغلق اقترن فى الحالتين بالإلزام أو هكذا يفترض إلا أن الدولة زمن الحرب كانت تملك من الشرعية ما يضمن لقراراتها السمع والطاعة، اليوم نحن نخفى مرضى الإنفلونزا بين ظهرانينا ونضع بجرأة عيوننا فى عيون تلامذتنا ونكذب الأعراض التى تنطق بها ملامحهم البريئة فالمهم هو ألا يغلق من المدارس إلا أقل القليل ولا تقلص المناهج تحت أى ظرف، هكذا فقدت الدولة هيبتها فتحدينا قراراتها. ومع أن الغلق فى الحالتين حرم طلابا من مدارسهم إلا أنها تشك كثيرا أن طلاب اليوم ستزعجهم فكرة الأبواب المغلقة كما سبق أن أزعجتها هى بشدة، بل لعل أكثرهم تهلل للفكرة ورحب بالإجازة لأنه من الأصل لا يجد التعليم كالماء والهواء كما كان يجده عميد الأدب العربى طه حسين بل هو بالنسبة له ليس إلا جواز مرور إلى خارج الوطن ومجرد ورقة تضاف إلى الوثائق المطلوبة فى قسيمة الزواج. ومع أن ظروف عام 2009 تسمح بآليات جديدة للتعلم عن بعد بحكم ثورة تكنولوجيا المعلومات إلا أنها تعرف والجميع يعرفون أن ما لا يُدرس فى الفصول لن يُدرس عبر الدوائر التليفزيونية المغلقة، وبالمقارنة فإنها تذكر كيف عرض أساتذتها فى عام 1973 الانتقال إلى بيوت طلاب الثانوية العامة للإسراع فى المناهج استعدادا لذلك اليوم الذى تستأنف فيه الدراسة، وكان العرض الكريم مجانيا.

أغلقت المدرسة أبوابها فأثارت شجونها وجددت حنينها وفرضت عليها المقارنة التالية قسرا: الوطن هو الوطن، والمدرسة هى المدرسة، وأكتوبر هو أكتوبر، لكن ليس الإغلاق كالإغلاق فقد انتقلت بؤرة الخطر من تهديد القوة الإسرائيلية إلى انتشار إنفلونزا الخنازير!

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات