قل هذا دستورهم فهاتوا دستورگم - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 3:27 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

قل هذا دستورهم فهاتوا دستورگم

نشر فى : الخميس 25 أكتوبر 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الخميس 25 أكتوبر 2012 - 10:21 ص

سمحت لى الظروف بأن أحصل من الشيخ راشد الغنوشى على مسودة الدستور التونسى أثناء ندوة عن الإسلاميين ونظام الحكم الديمقراطى. ولأن بين الثورتين المصرية والتونسية علاقات تأثير وتأثر لكونهما الشرارتين اللتين أطلقتا ربيع العرب، فإن مطالعة هذه المسودة الأولى للدستور التونسى مهمة لمعرفة موقع مسودتنا الدستورية منها، ولتبادل المفيد من العظات والدروس.

 

●●●

بداية لا يظن أحدُ أن مسار عمل المجلس التأسيسى المكلف بوضع الدستور التونسى هو مسار سلس يمضى بلا مشاكل،  فالواقع يشهد أن ثمة صعوبات واجهته وإن كان لا يمكن مقارنتها بتلك التى تواجه مسار الجمعية التأسيسية فى مصر. من المشاكل التى ثارت منذ وقت مبكر ما يتعلق بعلاقة الإسلام بالعملية التشريعية،  وهو ما حسمه الشيخ راشد مبكرا بقوله إذا كان التونسيون متفقين على الإسلام ومختلفين حول الشريعة فلنستقر على ما هو متفق عليه. ومن المشاكل الأخرى ما يتصل بالعلاقة بين الرجل والمرأة وهل هى علاقة تكامل أم مساواة،  وانتهى الأمر إلى إقرار الحق فى المساواة بسبب التباس مفهوم التكامل. كذلك ثار خلاف حول درجة استقلال المجلس الأعلى للسلطة القضائية ولازال تشكيل المجلس وصلاحياته موضع نقاش. وخلاف آخر حول النص على تجريم التعدى على المقدسات داخل الدستور، وفُضَ الخلاف بعدم النص كما قال رئيس المجلس مصطفى بن جعفر « ليس لأننا موافقون على التعدى على المقدسات،  بل لأن المقدسات أمر من الصعب للغاية تحديده». أما آخر الخلافات فكانت تلك المتعلقة بانتهاء شرعية المجلس التأسيسى،  على أساس أنه كان مكلفا بالانتهاء من إنجاز الدستور فى 23/10 /2012. وهذه المسألة مصدر اللبس فيها أن 12 حزبا تونسيا كانوا قد وقعوا وثيقة فى 15/9/2011 تنص على انتخاب المجلس التأسيسى فى 23 /11/2011 وعدم تجاوز فترة أشغاله « مدة السنة على أقصى تقدير». لكن الدستور المصغر الذى يحكم السلطات العامة فى تونس جعل مدة عمل المجلس مرتبطة بالإنجاز وليس بمدة عام إذ نص على استمرار المجلس سلطة شرعية « لحين إقرار الدستور وإرساء مؤسسات دائمة». وهذا ما اسُتنِد إليه فى التمديد للمجلس على الأقل لسبعة أشهر قادمة.

 

●●●

من إيجابيات مسودة الدستور التونسى أنك فى التوطئة تجد نفسك أمام دولة تتعامل مع تاريخها الوطنى كسلسلة متصلة الحلقات تتكامل ولا تتنافى،  وهذا مهم لأن فيه الإقرار بالتنوع. كما تجد الديمقراطية مقترنة بآليات التشارك والتعددية والانتخابات الحرة والحكم الرشيد. إلخ، ويتسق ذلك مع ما يذهب إليه الغنوشى من أنه إذا كان الإسلام هو حكم الشورى فإن هذه الشورى ظلت قيما عامة حتى جاءت آليات الديمقراطية لتنزيلها على الأرض،  ولهذا نٌص فى مسودة الدستور على الديمقراطية دون الشورى. كذلك فى التوطئة تجد تحديدا واضحا لدوائر السياسة الخارجية التونسية التى لا ترد الإشارة إليها فى أى فصل آخر بالمناسبة،  فمع الإقليم المغاربى والوطن العربى هناك التزام بالوحدة، ومع الشعوب الإسلامية والأفريقية هناك أخذ بالتكامل،  ومع شعوب العالم والمظلومين فى كل مكان هناك التعاون. الأولويات ضرورية لتحديد بوصلة الحركة الخارجية. أخيرا فإن المبادئ العامة حددت شكل علم الدولة ونشيدها الرسمى وشعارها، وتلك مسائل رمزية لكنها بالغة الأهمية فى تحديد هوية الدولة وفى قطع الطريق على اختراعات ما أنزل الله بها من سلطان.

 

من الإيجابيات الأخرى لمسودة الدستور التونسى قلة الإحالة للقانون والاستدراك بالذات فيما يتعلق بالحقوق والحريات التى ترد تحت عنوان المبادئ العامة. وكمثال « فإن حرية الفكر والتعبير والإعلام والنشر، وحق الاجتماع والتظاهر حريات وحقوق مضمونة» (مادة 8/1)، هكذا دون أى إضافات. وكذلك فإن « حرية الرأى والتعبير والإعلام والإبداع مضمونة» (مادة 26/2)، هكذا بدون أى استدراك. لا يستثنى من ذلك إلا النص على ربط النفاذ للمعلومة بعدم « المساس بالأمن الوطنى وبالحقوق المضمنة فى هذا الدستور» (مادة16/2). كذلك فى المبادئ العامة تجد تأكيدا مرتين على حظر الدعاية الحزبية سواء فى دور العبادة أو فى المنشآت العمومية (مادة 4/1 ومادة 23/2)، وذلك لقطع الطريق على محاولة التوظيف السياسى للدين. هناك أيضا نص على ضمان الدولة القضاء على كل أشكال العنف ضد المرأة (مادة 28/2)، والانفتاح على مختلف الثقافات والحوار بين الحضارات (مادة 32/2)، ورفض كل أشكال التطبيع مع الكيان الصهيونى وتجريم ذلك (مادة 27/2)، وهذا معناه احترام الآخر المختلف نوعا أى المرأة، وثقافة « أى غير المسلم وغير العربى وغير التونسى بالضرورة،  أما الكيان الصهيونى فإنه وحده منبوذ.

 

فى السلطة التشريعية تستحدث مسودة الدستور التونسى نصا يسمح لعُشر الناخبين المسجلين على القوائم الانتخابية بأن يتقدموا بمشروع قانون للعرض على مجلس الشعب، ولسُدس هؤلاء الناخبين بالمطالبة بعرض هذا المشروع على الاستفتاء ( الفصل31). بطبيعة الحال فإن عُشر الناخبين أو سُدسهم نسبة ضخمة،  لكن المقصود هو أن المواطن العادى يشعر من خلال هذا النص أن من حقه اقتراح قوانين تنظم مصلحة تخصه،  لا بل وأكثر من ذلك يطلب عرضها على الاستفتاء. كما أن من المبادئ المقترحة التى تحمى الأقلية البرلمانية من استبداد الأغلبية،  ما ينص عليه الفصل 32 من أن عُشر أعضاء مجلس الشعب، من حقهم أن يلجأوا للمحكمة الدستورية إذا قام المجلس على غير رغبتهم بتفويض رئيس الحكومة أو رئيس الجمهورية باتخاذ مراسيم تدخل فى مجال القانون،  ويرونها هم ماسة بمبدأ الفصل بين السلطات. كذلك تميز المسودة فى نظام التصويت داخل مجلس الشعب بين مشروعات قوانين عادية تلزم عند التصويت عليها موافقة أغلبية الحاضرين ومشروعات أساسية كالأحوال الشخصية وحقوق الإنسان تتطلب موافقة أغلبية الأعضاء (الفصل 40)،  مع الإقرار بأنه رغم أهمية هذا التمييز إلا أن أغلبية الأعضاء ليست كافية لحماية حق الأقلية البرلمانية.

 

●●●

على الجانب الآخر، يمكن القول إن من أهم عيوب مسودة الدستور التونسى الفقر فى منظومة الحقوق والحريات عامة وفى منظومة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية خاصة،  فالعمل حق لكل مواطن والدولة تبذل « كل مجهودات لضمانه» (مادة 14/2)، والسكن والحد الأدنى للأجر تسعى الدولة إلى ضمانهما و» تيسير الظروف الملائمة للزواج « (مادة 21/2)،  وهذه صياغة تخلو من الالتزام ولا تقترن بآليات. كذلك لا يخلو الدستور التونسى من نصوص فضفاضة كالقول إن « الدولة راعية للدين» (مادة 4/1)،  فبأى معنى تكون رعاية الدين. ويلاحظ أيضا أنه فى نصين خاصين بالمرأة (مادة 10/1 ومادة 21/2) تم الربط بين حقوق المرأة وحقوق الأسرة فى المادة الأولى،  والاقتصار على تناول حقوق المرأة فى إطار الأسرة بالمادة الثانية،  وكان الأوقع اختصاص دور المرأة فى الحياة العامة بنص خاص. فى سياق متصل،  يلاحظ أن الفصل 46 يقترح نصا على حق كل تونسى وتونسية بالولادة ويدينان بالإسلام فى الترشح لرئاسة الجمهورية كما يقترح نصا بديلا يعطى « التونسى» حق الترشح لهذا المنصب على أساس أن اللفظ يشير ضمنا للرجال والنساء،  لكن فى ظل الاستقطاب الحاصل يفضل عدم التعويل على الاستنتاج.

 

الخلاف الأكبر وأكاد أقول الارتباك هو ذلك الحاصل فى شأن نظام الحكم داخل مسودة الدستور،  فالمسائل المتعلقة بتوزيع السلطات ترد بخصوصها أحيانا أربعة أو خمسة اقتراحات شديدة التفاوت من جعل رئيس الدولة مجرد رمز بلا صلاحيات حقيقية (أحد النصوص المقترحة للفصل 51)،  إلى جعله يسمى القضاة ويقترح على المجلس الأعلى للسلطة القضائية اختيارهم (أحد النصوص المقترحة للمادة 11/5)، ومع أنه قيل إن ثمة توافقا على النظام المختلط إلا أننى لست واثقة من أن هذا التوافق سيكون سلسا. أقول ذلك لأنه فى مقابل هذه الصياغات المتعددة المطروحة،  هناك صياغات تُقدمَ باعتبارها وحيدة ولا يمكن أن تفضى آخر الأمر إلا إلى جعل البرلمان محور النظام. وكمثال فإن كلا « من الهيئة المستقلة للانتخابات،  والهيئة المستقلة للإعلام،  والهيئة الوطنية لحقوق الإنسان،  والهيئة الوطنية للحكومة الرشيدة ومكافحة الفساد، جميع هذه الهيئات تنتخب مجلس الشعب.

 

●●●

معلوم أن قيمة النص الدستورى هى فى تطبيقه من عدمه،  ومعلوم أن ما يجرى على أرض تونس من عنف واستقطاب بين التيارات حقيقة لا مهرب منها. لكن فى الوقت نفسه لا أملك إلا الاحتفاظ بباب الأمل مشرعا فى غد تونس لأن هناك استعدادا أكبر للتنازل المتبادل، وحين أقرأ فى الفصل 38 نصا يجعل المعاهدات التى يصادق عليها رئيس الجمهورية ويوافق عليها مجلس الشعب « أقوى نفوذا من القوانين «، لا أجد مبررا له فى ظل التركيبة المعروفة للمجلس إلا الرغبة فى تسكين الأمواج التى تمخر عبابها سفينة الوطن.

 

 

 

أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات