يناير ضد يوليو - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 3:34 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

يناير ضد يوليو

نشر فى : الخميس 26 يوليه 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الخميس 26 يوليه 2012 - 8:00 ص

الحر الشديد داخل ضريح عبدالناصر والسيدة حرمه، الزحام وبوكيهات الورد وفلاشات الكاميرات التى تلاحق الموجودين للاحتفال بالذكرى الستين لثورة يوليو كلها عوامل تزيد فى الإحساس بسخونة الجو. أسندت ظهرى على الحائط قرب مدخل الضريح أقلب النظر فى الصور العملاقة لعبدالناصر أكثرها أحفظه عن ظهر قلب، وألتقط أنفاسى بعيدا عن «الزنبليطة فى الصالون» الداخلى كما فى الجملة المأخوذة من أحد الأفلام السينمائية المشهورة. على الحائط وقف بجانبى رجل متوسط العمر يرتدى جلبابا بين الأخضر والأزرق منفرج الملامح سألنى : حضرتك من حملة حمدين؟ هززت رأسى بالنفى وتعارفنا. هو عامل فى مسجد فى قرية الرهاى بمحافظة الجيزة، حاصل على شهادة الإعدادية، فى الأربعين من عمره، لم يقدر له أن يرى عبدالناصر لكنه سمع عنه من والده إمام المسجد كلاما كثيرا طيبا، يأتى كل عام للاحتفال بذكرى الثورة يرافقه صديقه صابر مقاول حفر آبار «على قده وليس مثل أحمد عز» على حد تعبيره.

 

سيد عبدالفتاح، هذا هو اسمه، يمثل حلقة وصل بين ثورة يوليو التى ينتمى إليها بحكم التنشئة، وثورة يناير التى ينتمى إليها بحكم المشاركة، ولا يفهم معنى أن توضع ثورة قبالة ثورة أخرى، ليس لأن الثورات لا تنسخ بعضها طالما أنها تصب فى مجرى واحد، لكن أيضا لأن المفاضلة بين الثورتين ترف لا نملكه فى هذه الأيام الصعبة التى نتوق فيها لتحقيق شعارات الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية سواء تحت مظلة يوليو أو تحت مظلة يناير. ومع ذلك فإن الحملة هذا العام على ثورة يوليو شعواء. صحيح أن الانقلاب على أهداف الثورة الستة المعروفة بدأ بشكل منظم منذ رحيل عبدالناصر كما تجلى فى شكل الانحيازات الطبقية وفى طبيعة التحالفات الخارجية المختلفة تماما، وصحيح أن الاحتفال بثورة يوليو تحول بمرور الأيام إلى طقس باهت يتلخص فى خطاب للرئيس وفيلم «رد قلبى»، إلا أن افتعال الصدام مع ثورة يوليو فى عامها الستين بلغ مداه، لكأنه أريد به أن يكون عامها الأخير، وهذا تصعيد أراه يعود إلى سببين رئيسيين. السبب الأول وصول أبرز خصوم ثورة يوليو وتحديدا قائدها الرئيس جمال عبدالناصر إلى سدة الحكم كأثر من آثار ثورة يناير، والسبب الثانى توتر العلاقة بين القوى الثورية والمجلس العسكرى نتيجة سوء إدارة المرحلة الانتقالية وتحميل ثورة يوليو مسئولية تسليم السلطة للعسكر قبل ستين عاما.

 

●●●

 

إن الإخوان ليسوا مطالبين بحب ثورة يوليو إن كان الأمر يتعلق بمشاعرهم الشخصية وبذكرياتهم المؤلمة مع الثورة وقائدها، لكن عندما يتعلق الأمر بصنع السياسات العامة فلا موضع فى الأمر للمشاعر الشخصية. غدا يسيطر الإخوان على أدوات التنشئة الاجتماعية من تعليم وإعلام، وما لم يتم الفصل بين الاعتبارات الذاتية والمسئولية الوظيفية فلنا أن نتوقع محوا كاملا لكل آثار ثورة يوليو بعد تهميش متواصل لتلك الآثار منذ عام 1970. وسوف يكون الإخوان مسئولين عن عملية التجنيد السياسى لشغل المناصب المختلفة وما لم تراع الموضوعية فى الاختيار فسيحل أهل الثقة محل أهل الخبرة إن كان من هؤلاء من ينتمون فكريا إلى ثورة يوليو. إن شيئا من هذا التداخل بين البعدين الذاتى والوظيفى لمسناه فى خطاب الرئيس محمد مرسى بمناسبة الذكرى الستين للثورة. ففى خطابه الرئاسى بدا مرسى مقتضبا، معتمدا على الورق، مفتعلا، مر على إنجازات يوليو مرور الكرام وتوقف عند تعثرها فى ملف الديمقراطية وسيادة القانون. ومع أن هذا التعثر حقيقة تاريخية لا يمكن إنكارها إلا أنه بإمكان أى أحد أن يسأل عن موقع سيادة القانون الآن من استباق الرئيس مرسى نتائج انتخابات الرئاسة واعتبار فوزه هو المؤشر الوحيد على نزاهتها، أو من احتشاد أنصار الرئيس فى ساحات المحاكم مهددين وضاغطين. قليل من الموضوعية يصلح الميزان.

 

أما القوى الثورية، التى هى ثمرة تجهيل بل وتشويه للفترة الناصرية طيلة أكثر من 40 عاما فقد وقع فى روعها أن تمجيد ثورة يناير يستلزم تسفيه ثورة يوليو، لكأن تاريخ الأمم سلاسل منفصلة الحلقات لا يوجد بينها رابط ولا تفضى إحداها للأخرى. وهكذا انطلقت على مواقع التواصل الاجتماعى حملة ضارية لمهاجمة ثورة يوليو تحت أكثر من شعار: يناير ضد يوليو، ولن أحتفل بثورة يوليو. متابعة هذه الحملات تكشف عن إيغالها إلى مدى غير معقول، فهل يمكن أن نتصور أن يدعو البعض إلى تأجيل الاحتفال بعيد ميلاد أحد شهداء ثورة يناير هو مينا دانيال من 22 يوليو إلى 23 يوليو بهدف إفساد الاحتفال وبعث رسالة مؤداها أن قَتلة مينا هم من وضعتهم ثورة يوليو فى الحكم قبل ستين عاما؟. حمدا لله أن هذه الدعوة قاومتها بحس وطنى رفيع شقيقة مينا مطالبة بألا يزج باسم أخيها فى صراعات سياسية، كما فندها بامتياز الحسينى أبو ضيف فى مدونة له بعنوان « هل قتل عبدالناصر وخالد محيى الدين الشهيد مينا دانيال؟» موضحا أنه لا كل العسكر متخاذلون ولا كل المدنيين ثوريون، فالثورة استعداد وجاهزية وفعل لا يرتبط بالمهنة، ومن شأن هذا التمييز بين الثورتين حرق الجسور مع قوى كثيرة تنتمى إلى كلتيهما كحركات كفاية و9 مارس ولجان مقاومة التطبيع.. إلخ. كما أن من عجائب ما حملته وسائل التواصل الاجتماعى دعوة البعض إلى النزول فى 23 يوليو للمطالبة بإسقاط حكم العسكر وليس للاحتفال بثورة العسكر، وكأنه لم يتبلغ هؤلاء بأن أحدا لم يعد قادرا على فرض إملاءته على الشعب المصرى قائلا له إفعل كذا ولا تفعل كذا.

 

●●●

 

لو لم تكن يوليو حركة جيش تحولت إلى ثورة شعب لما وجدنا أمثال سيد عبدالفتاح، وهم بالمناسبة كثيرون ،يحيون ذكراها عاما بعد عام دون كلل، ولو لم تكن شعارات ثورة يوليو أو أهدافها الستة تجسد مطالب شعبية حقيقية لما ارتفعت فى ميادين التحرير بعد أن تجمدت بوفاة عبدالناصر، ولو لم يكن هناك اتصال بين يوليو ويناير لما حل حمدين صباحى ثالثا فى جولة الانتخابات الرئاسية الأولى وبأصوات بعض القوى الثورية نفسها. إن الصدام المفتعل بين الثورتين تتجاوز أهدافه النيل من ثورة يوليو إلى صرف الأنظار عن الاهتمام بوضع الدستور والحملة المنظمة على مؤسسات الدولة وطول المرحلة الانتقالية بغير أفق معلوم. وإذا كان النظام القديم قد دأب على إلهاء الشعب عن الاستبداد والفساد بمباريات كرة القدم فلن يسمح أحد بأن تتحول العلاقة بين ثورتى يوليو ويناير إلى مجرد مباراة بين فريقى الأهلى والزمالك.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات