التواضع لم يعد يليق بنا - سمير كرم - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 7:14 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

التواضع لم يعد يليق بنا

نشر فى : الجمعة 26 يوليه 2013 - 9:05 ص | آخر تحديث : الجمعة 26 يوليه 2013 - 9:05 ص

الشخصية المصرية شخصية متواضعة. هذا أمر لا يختلف فيه اثنان من المصريين أو من غيرهم. هذا على الرغم من التاريخ وآثاره التى لا يوجد لها مثيل فى القدم أو فى المجد.

وهذا أيضا على الرغم من الاستمرارية لوجود مصر الوطن والدولة والتاريخ، وكذلك على الرغم من القدرات التى أظهرها المصريون خارج أراضيهم فى الدراسة أو التخصص أو الإنجاز العلمى والعملى.

لم نتساءل يوما لماذا هذا التواضع، ربما إيغالا منا فى التواضع، إنما أساسا لأن فى اعماقنا اعتقادا بأن التواضع هو جزء من قدراتنا وليس جزءا من العجز. ولقد آن الأوان أن ندرك أن التواضع لم يعد سمة مستحبة عالميا. كثيرون من المحيطين بنا من الشعوب القريبة أو البعيدة ينأون بأنفسهم عن التواضع الجمعى على الرغم من احتفاظهم بالتواضع كصفة فردية مستحبة أخلاقيا ونفسيا.

آن الأوان كى ندرك أن الشعب المصرى لم يعد يليق به أن يتواضع حتى وإن تواضع الفرد المصرى كضرورة أخلاقية ودينية. ستضيع منا أثمن الفرص لنعرف قيمتنا كشعب إذا لم ننتهز الفرصة المتاحة لنا الآن لكى ندرك من نحن وكيف. لقد أظهرت التطورات الأخيرة التى يصنعها بلدنا مصر أننا استطعنا أن نبهر العالم بقدرتنا على التجمهر فى ميادين مدننا بأعداد لم يشهدها العالم ولم يسمع عنها من قبل.

●●●

ربما ساهم فى أن يغلب التواضع على صفاتنا الأخرى أننا لم نكن قبل ذلك متواضعين بل كنا محرومين من الثقة بالنفس. بصفة خاصة كنا محرومين من الإحساس بمدى قدرة شبابنا على إثبات ذاته وقدراته.

فجأة عندما بدا أن الثورة المصرية التى انطلقت فى الخامس والعشرين من يناير 2011 تكاد تنكفئ أو حتى تضيع أثبت شبابنا أنهم قادرون بما يتجاوز كل القدرات والإمكانيات على أن يطلقوا هذه الثورة من جديد وأن يقفوا فى الميادين بعشرات الملايين للدفاع عنها. فلنسمها ثورة ثانية، المهم أنها اذهلت العالم فى لحظة كاد يفقد الثقة بقدرة الشعب المصرى على أن يكمل ثورته أو يحميها أو يجددها.

أعلن العالم أن ثورة الشعب المصرى فى 30 يونيو تجاوزت كل ما سبق فى التاريخ من حيث الحجم والقوة والكم والقدرة. اعترف العالم انه لم يسبق للتاريخ البشرى أن سجل مظاهرة بهذا الحجم وبهذه القوة تنطلق فى ميادين المدن المصرية مؤكدة تصميم الشعب المصرى على أن يستجيب لشبانه على هذا النحو غير المسبوق.

سمعنا هذا التقييم من شعوب العالم معبرا عنه فى برقيات المراسلين التى تنتشر فى أرجاء الكرة الأرضية وربما تجاوزت هذه الحدود ولكننا لم نعلنه بأنفسنا. قال العالم «إن مصر أعطت إشارة واضحة إلى أنها تطلق عصرا جديدا من الثورة العالمية» وظهر هذا التقييم الرائع لعملنا فى أركان متواضعة من صحفنا وفضائياتنا مستورة بتواضع مصرى بدا كأن لا خلاص منه أبدا.

بقى تواضعنا على حاله على الرغم من أروع لحظات الفعل التاريخى التى جذبت إلى مدننا ومياديننا أكبر أعداد المراسلين الآتين من كل اركان المعمورة وهؤلاء أنتجوا أجمل ما كتبوا فى أى مناسبة أمام مشهد لم يعرفه العالم من قبل.

لقد سبق للعالم أن شهد مظاهرات للجماهير فى مدن اليونان والبرتغال وإسبانيا وفى الصين وبنجلاديش وبعد ذلك فى البرازيل وتركيا فى توقيتات قريبة من توقيت الانطلاق الجماهيرى لعشرات الملايين المصريين، لكن شيئا منها لم يكن شبيها أو قريبا مما قامت به الجماهير المصرية.

«إن الموجات المتعاقبة من الجماهير المصرية هى الأكثر حدة فى تعبيرها عن عملية دولية» ــ هكذا قالت إحدى النشرات السياسية الاشتراكية التى تصدر فى الولايات المتحدة ــ «إن الانتفاضات المصرية تعطى احساسا بما هو آت، وهو دخول مئات الملايين من العمال والمقهورين فى الصراعات الثورية التى ستتقزم أمامها ثورات الحقب الماضية».

وبقينا على تواضعنا. بدا كأننا غير مصدقين أننا فعلنا ذلك وأننا نكتب تاريخ مستقبل العالم بما نطلقه فى الحاضر امام أعين الدنيا كلها. هل يفيدنا هذا التواضع؟ أم أن الحقيقة انه يقلل من شأن حركتنا فى العالم؟

هذه تساؤلات على أعلى درجة من الأهمية فى ضوء حقيقة هذا الدور الذى ينتظر مصر بعد أدائها المبهر فى ميادين القاهرة وميادين المدن المصرية الأخرى. ولن نستطيع أن نفلت من مسئوليتنا الوطنية والقومية التى اكتسبت طابعا عالميا بمجرد ما أظهرته من قدرة على التحرك الذى أذهل العالم ولم يستطع أن يذهلنا إنما أبقانا فى بؤرة التواضع.

●●●

إن التحدى الذى يواجه مصر والمصريين الآن ليس تحدى الاخوان المسلمين، ليس هذا تحديا يخشى من نتائجه. إنما هو تحدى الدور العالمى لثورة بدأتها مصر ولن تكتمل وتحقق أهدافها إلا إذا وعينا أن التواضع لم يعد يليق بنا. إنه يعرقلنا.

على مصر أن تتيقظ إلى حقيقة قدراتها فى عالم اليوم. فى عالم الثورة اليوم.

سمير كرم  كاتب سياسي مصري
التعليقات