نكذب على أمريكا.. أم على أنفسنا؟ - سمير كرم - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 7:43 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

نكذب على أمريكا.. أم على أنفسنا؟

نشر فى : الأربعاء 26 أغسطس 2009 - 9:49 ص | آخر تحديث : الأربعاء 26 أغسطس 2009 - 9:49 ص

 كان هنرى لويس مينكين أحد أهم المفكرين الاجتماعيين فى النصف الأول من القرن العشرين. وكان له قول شهير: «إن الأشخاص الذين يعجب بهم الشعب الأمريكى إلى أقصى الحدود هم الأكثر جرأة فى الكذب، والأشخاص الذين ينفر منهم بأقصى درجات العنف هم أولئك الذين يحاولون أن يقولوا له الحقيقة».

ويبدو أن أحد المستشارين المصريين قرأ هذه العبارة لمينكين وضمنها إحدى مذكراته منذ أن كانت رحلة الرئيس مبارك إلى واشنطن فى مرحلة الإعداد.

فقد انطلقت من أجهزة الدولة وصحافتها وفضائياتها كذبة كبيرة أرادوا لها أن ترافق الرئيس إلى العاصمة الأمريكية وأن تحدث أكبر أثر ممكن فى أمريكا على إدارة الرئيس باراك أوباما.

تقول هذه الكذبة الكبيرة إن الإدارة المصرية كانت على خلاف حاد وشامل مع الإدارة الأمريكية فى عهد الرئيس السابق جورج بوش.

وحسنا فعل الرئيس مبارك أن نسف نصف هذه الكذبة على الأقل عندما صرح لجريدة «الأهرام» (الرسمية) فى واشنطن، حين قال إن الخلافات مع إدارة بوش كانت حول السلام والعراق ولا تتصل بالوضع الداخلى. هكذا طار نصف الكذبة الكبيرة عن الخلافات بين النظام المصرى والنظام الأمريكى فى عهد بوش، بل إن النصف الذى طار كان النصف الأخطر فى هذه الكذبة.

واقع الأمر أنه طوال عهد بوش الابن لم يظهر على السطح أى خلاف بين إدارته والإدارة المصرية. كانت العلاقات المصرية ــ الأمريكية تصور طوال الأعوام الثمانية لإدارة بوش على أنها تتألف من سمن وعسل. وكان امتنان الإدارة المصرية من سياسات وقرارات وسلوكيات إدارة بوش ــ كعادته ــ فى ذروته، سواء فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية والمصرية، أما فيما يتعلق بالسياسة الداخلية فان من المعروف أن القاعدة المرعية بل الواجبة دائما هى أن من حق الإدارة الأمريكية أن تختلف مع ــ وأن تعترض على ــ بعض جوانب السياسة الداخلية المصرية.. وهذا حق لا تملكه الإدارة المصرية فيما يتعلق بالسياسة الداخلية الأمريكية.

من يستطيع أن يذكرنا بآخر مرة ــ أو أول مرة ــ أصدرت فيها الإدارة المصرية بلسان مسئوليها أو المتحدثين باسمها بيانا أو تصريحا ينتقد السياسة الداخلية الأمريكية بشأن أى موضوع: اقتصادى، اجتماعى، ثقافى.. أو سياسى؟ الأمر الذى تعرفه المتابعة الدءوبة للعلاقات المصرية ــ الأمريكية هو أن الإدارة المصرية على مدى 28 عاما التزمت التأييد، بل الإعجاب بمسارات السياسة الأمريكية خارجية وداخلية.. حتى حينما كانت تصريحات المتحدثين الرسميين الأمريكيين تعبر عن الاعتراض أو النقد أو التنصل من سياسات الإدارة المصرية خارجية أحيانا وداخلية أحيانا أخرى.

ليس خافيا على أحد أن التحولات الجذرية التى طرأت على السياسة الإقليمية المصرية ــ تجاه إسرائيل وتجاه إيران ــ جرت كلها فى عهد الرئيس السابق بوش الابن. وتكاد القاعدة المتبعة دوما من جانب القاهرة تقول: «هذا الرجل أمريكى فهو إذن على حق».. أو «الأمريكى على حق لمجرد كونه أمريكيا». ولعل من المناسب أن نتساءل فى هذا السياق نفسه: كيف ينظر مسئول مصرى ــ مثلا ــ إلى يسارى أمريكى، وكيف ينظر المسئول نفسه إلى يسارى مصرى. الأول جدير بالاحترام والتقدير لأنه أمريكى وإن كان يساريا.. والثانى جدير بالشك والحذر على الأقل، بالتحديد لكونه يساريا.

أمريكا بوش فى نظر الإدارة المصرية نالت كل الاحترام والتقدير والتأييد من جانب السلطة المصرية على الرغم من ــ بالأحرى بسبب ــ سياستها العدوانية اليمينية المتطرفة التى أصبحت تلخصها عبارة «المحافظين الجدد» الأقرب إلى معاداة الإسلام والمسلمين وفتح جبهات الحرب العالمية على الإرهاب عليهم.
وأمريكا أوباما فى نظر الإدارة المصرية ــ وكما اتضح فى تصريحات حملة زيارة الرئيس مبارك لواشنطن ــ نالت كل الاحترام والتقدير والتأييد من جانب السلطة المصرية على الرغم من ــ بالأحرى بسبب ــ سياساتها الأقرب إلى الاعتدال، الأقرب إلى التقدمية، الأقرب إلى احترام العالم الإسلامى وقضاياه وحضارته.

لم تظهر هذه الكذبة الكبيرة عن الخلافات مع إدارة بوش فى تصريحات أو بيانات الإدارة المصرية فى وقت حملة أوباما الانتخابية، وإلا لقلنا إن الإدارة المصرية «تضع ثقلها» وراء مرشح الرئاسة الأمريكى الذى يعد بتغيير مواقف وسياسات الولايات المتحدة تجاه مصر والعالم الإسلامى. لو ظهرت هذه الكذبة فى وقت حملة انتخابات الرئاسة الأمريكية لكان من الممكن أن نتصور أن الإدارة المصرية تنفست الصعداء لقرب ذهاب المحافظين الجدد وبوش.. ولكان من المؤكد أن نتصور أن الإدارة المصرية أدركت أن الشعب الأمريكى راغب فى التغيير الذى يدعو إليه أوباما وأن أوباما فى طريقه فعلا إلى البيت الأبيض.

لكن الواقع أنه طوال وقت الحملة الانتخابية كانت الإدارة المصرية وإدارات الحكومات العربية التى تقف تحت مظلة الاعتدال، تظهر صراحة ميلها القوى إلى المرشح الجمهورى جون ماكين، امتداد المحافظين الجدد والذى كان مرشحا لأن يرأس «فترة ثالثة» لبوش.

فلماذا إذن انبثقت فجأة هذه الكذبة عن خلافات كانت تمزق نسيج العلاقات الأمريكية ــ المصرية فى عهد بوش بعد أن اعتلى أوباما عرش البيت الأبيض؟

الإجابة الصريحة تقول إن الإدارة المصرية تتصور:

1ــ أن بإمكانها التعمية على مدارك إدارة أوباما بشأن علاقتها مع إدارة بوش.

2 ــ أن إدارة أوباما يمكن أن تقيم وزنا كبيرا لموقف مصر الرسمى من أمريكا فى عهد إدارة بوش لدرجة تجعلها تنفر من علاقات إيجابية مع القاهرة.

3ــ أن إدارة أوباما ربما تعجز عن إدراك النتائج التى تترتب على استمرار حكم الإدارة المصرية منذ عهد إدارة الرئيس ريجان إلى الآن واختلافها عن النتائج التى ترتبت وتترتب على التناوب على الرئاسة الأمريكية ــ منذ 1981 إلى اليوم.

4ــ أن الإدارة المصرية تتصور ــ ربما ــ أنها تدخل فى منافسة مع إسرائيل (إدارة بنيامين نتنياهو) بشأن كسب ود أوباما وإدارته، إذا هى ظهرت بصورة من خالف إدارة بوش السابقة.

للأسف فإن هذه التصورات جميعا خاطئة.. ولا تستطيع الكذبة الكبرى عن خلافات القاهرة مع واشنطن فى عهد الإدارة السابقة أن تجعلها تصورات صحيحة. الفهم الصحيح لطريقة التفكير الأمريكية ــ فى ظل بوش كما فى ظل أوباما ــ لا تعطى بالا لهذا النوع من التصورات، وتحاول باستمرار أن تبنى سياساتها على ما تتوصل إلى أنه نتائج عملية من منطلقات نظرية مشروحة بلغة واضحة وبالأرقام.

فهل قصد بهذه الكذبة تصويبها نحو الرأى العام الأمريكى؟ ليس من عادة الرأى العام الأمريكى أن يتابع شأنا من هذا القبيل انقضى عهده بانقضاء إدارته السابقة. قد تهتم جوانب من الرأى العام الأمريكى بمعرفة ما دار بين الرئيس المصرى وقادة اليهود الأمريكيين، من زاوية معرفة هذا الجانب بالمدى الذى ذهبت إليه القاهرة فى الالتقاء مع وجهات النظر الإسرائيلية.

وبعد.. أسمع من يتساءل: كيف يمكن القول إن خلافات الإدارة المصرية مع إدارة بوش ليست أكثر من أكذوبة، والكل يعرف أن الرئيس مبارك لم تطأ قدماه الأرض الأمريكية طوال السنوات الخمس الأخيرة من ذلك العهد؟ والإجابة بسيطة، وهى أن القول بأن الإدارة المصرية اختلفت مع الإدارة الأمريكية شىء، وأن إدارة بوش لم تكن راضية عن أداء الإدارة المصرية شىء آخر تماما. الأول غير صحيح والثانى صحيح ولأسباب داخلية (مصرية) بحتة.

وأغلب الظن أننا نكذب على الرأى العام المصرى.. كما هى العادة.

سمير كرم  كاتب سياسي مصري
التعليقات