تحية العِلم - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 3:34 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

تحية العِلم

نشر فى : الإثنين 26 نوفمبر 2012 - 8:40 ص | آخر تحديث : الإثنين 26 نوفمبر 2012 - 8:40 ص

وقف مدرس القرآن فى معهد نور الإسلام الأزهرى بمنفلوط أمام إحدى القنوات الفضائية ليحكى لنا عن مشاعره إزاء فاجعة مقتل 52 تلميذًا من تلاميذ المعهد فى مشهد عبثى بامتياز. فى البدء بدا الرجل متماسكاً، والأرجح أنه أحسن الإعداد لهذا اللقاء التلفزيونى الأول فى حياته فتلا بصوت رخيم آيات من الذِكر الحكيم تبشر الأهالى المكلومين الذين صبروا واحتسبوا وأسلموا الأمر كله لله بأن لهم حسن المآب. سأله المذيع عن المستوى العلمى لتلاميذه الصغار، فشمخ الأستاذ وزها وأفاض، إنهم حُفّاظ قرآن متميزون، كرم بعضهم «ملك السعودية» فما حفظ القرآن بيسير.

 

هو نفسه كان يكافئ ملائكته الصغار لكن على طريقته الخاصة، لم تكن هديته لهم قلماً أو حلوى ولا نقوداً بالطبع بل ولا حتى جملة «بارك الله فيك وأكثر من أمثالك» التى نالها كثيرون منا فى بعض مراحل تعليمهم على سبيل التشجيع. لم تكن هديته شيئاً من ذلك، هديته كانت أداء التحية العسكرية لمَن يحسن منهم ترتيل القرآن، هو يعلم جيداً كم يفتتن الصغار بالزى العسكرى والنجوم الصفراء اللامعة والشجاعة المفترضة والهيبة وسط الجيران، فقرر الأستاذ أن يسبح مع صغاره بعيداً إلى حيث يذهب بهم خيالهم.

 

عندما وصل الأستاذ إلى هذه النقطة من حديثه اختلجت ملامحه السمراء، هاجمته ذكرى محمد جمال أحد أنجب تلامذته إن لم يكن أنجبهم على الإطلاق، وتذكر آخر مرة شاهده فيها و قد صار بقايا وسط القضبان عند مزلقان المندرة فأحس ريقه مراً كالعلقم. كان محمد يتحين أداء أستاذه التحية العسكرية له كلما تميز وأجاد، فإذا ما نسى الرجل وسها عنه ذكره بالتحية ولم يتركه حتى ينالها ثم يمضى لحال سبيله. بذل الأستاذ جهداً بادياً كى لا تخذله شجاعته وتَفر من عينيه دمعة حبيسة، أما ارتباكه فلم تكن له معه حيلة. مضى الأستاذ يكرر مرة تلو الأخرى كيف كان يكافئ تلميذه محمد جمال بأداء التحية العسكرية، وما من مرة أعاد فيها القول إلا و ضم ساقيه وصك قدميه ورفع ذراعه فى حماس محيياً تلميذه الغائب الحاضر.

 

فى فاجعة منفلوط هاجمتنا مشاعر حزن هستيرى ونحن نجد مزاد الشهداء يرسو على طفل فى بيت، وعلى طفلين فى آخر، وعلى كل ذرية الأهل فى بيت ثالث. ونحن نرى أم الشهداء الأربعة تستقر فى مصحة الأمراض النفسية فيما هى أعقلنا جميعاً لأنها نجت بنفسها منا بطمعنا وصراعنا وكراسينا. ونحن نشاهد طفلة السادسة ترتل القرآن على رؤوس أقرانها وأشلائهم فلا ندرى هل ندفع بها خارج مشهد أكبر من عمرها بكثير أم ندعها فى ترتيلها لعلها تهدأ نفساً وتطيب. فى فاجعة منفلوط تمنينا لو نقتل وحش الإهمال الذى يحصد أرواح العشرات بسهولة تفوق الخيال وبتكرار يبعث على السأم، فهل يصدق أحد أنه بعد يومين اثنين فقط من كارثة قطار الأطفال كادت تحدث كارثة مماثلة مع قطار يقل حرس السجن ومر بالمكان نفسه وعلى القضبان ذاتها لكن ربنا ستر؟ وهل يَعقِل أحد أن حياة المارة راكبين ومترجلين عند مزلقان المندرة وكل مزلقانات مصر معلقة بإشارة من ملاحظ البلوك يبعث بها لعامل المزلقان فيطلق هذا بدوره إشارة من جهاز يعمل ببطارية قد تتلف أو ينتهى عمرها الافتراضى فيكون ما يكون؟ لن نصدق ولن نعقل ومع ذلك فإنه يحدث.

 

لكن وسط كل هذا القش والغبار، تلمع إبرة ذهبية هى ذلك الأستاذ محفظ القرآن بمعهد نور الإسلام الأزهرى. سمعنا عن مدرسين يقصون شعور تلاميذهم، ويركلونهم، ويجبرونهم على الانحناء أمام هاماتهم العالية قامة القصيرة جداً قيمة، أما هذا الأستاذ الذى يؤدى التحية العسكرية لتلاميذه ويرفعهم عليه درجة ونحن نعلم كم هى عزيزة رجولة الصعيد فهذا لعمرى جديد. لو كنت مكان وزير التربية والتعليم لأرسلت فوراً لإحضار هذا المدرس الذى لم ألتقط اسمه مع الأسف ولأجلسته قبالتى واستمعت إليه وطلبت منه أن يحاضر فى كليات التربية فهو من قلة قليلة تعرف فن التعامل بين الأستاذ وتلامذته، وتتفهم أنه لا تعليم بدون تربية ولا تربية إلا بالقدوة. لا تتوقعوا منى أبداً أن أدعو الوزير المختص لتعيين هذا الأستاذ وكيلاً أو مستشاراً أو نائباً فهو فى منفلوط يضىء ويتوهج، أما هنا فى القاهرة فكم من الأضواء تعمى البصر والبصيرة، ويا أيها الأستاذ المحترم لك منى تحية واجبة.

 

 

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات