لزمن طويل تركز اهتمام الإخوان المسلمين كتنظيم سياسى دينى على التجارة. وشاع أنهم نجحوا فى تكوين ثروات فردية ضخمة، هذا بخلاف الثروة الطائلة التى يملكها التنظيم نفسه من مصادر اشتراكات الأفراد ومصادر المساعدات المالية من عدد محدد من الدول.
ويشار الآن إلى بعض قادة تنظيم الإخوان المسلمين على أنهم يملكون ثروات تضعهم فى خانة أصحاب المليارات الذين تربطهم علاقات قوية ذات طابع تجارى مالى مع عدد من الشركات والمؤسسات الرأسمالية الكبرى فى العالم.الإخوان المسلمون وقوة المال
الأمر الذى لا شك فيه أن خروج الإخوان المسلمين، وبالأخص قادتهم من ذوى المناصب العليا فى التنظيم، من السجون بعد اتفاقات وتوافقات مع نظام الرئيس المخلوع حسنى مبارك قد اسهم فى انتعاش تجاراتهم ورفع ارصدتهم المالية إلى حدود عالية عما كانت قبل ذلك. وعندما اتيح لتنظيم الأخوان المسلمين أن ينقض على ثورة 25 يناير 2011 عن طريق الانضمام اليها بعد أن اكتشف أن الثورة تفتقر الى قيادة خاصة بها، فإنه استطاع فى الفترة التالية أن يستخدم ثرواته الكبيرة فى كثير من الخطوات التالية التى اكسبته وضعا خاصا بين كل التنظيمات والاحزاب التى كانت تساهم فى هذه الثورة بلا ثروات تذكر الى جانب ثروات الإخوان المسلمين.
•••
ولا تكتمل الصورة المالية لتنظيم الإخوان المسلمين الا إذا ركزنا اهتمامنا على الدور الذى أداه الجانب الدينى فى تكوين هذه الثروات. ويمكن تلخيص هذا الجانب بانه يتمثل فى قول الرسول الكريم محمد المعروف «تسعة اعشار الرزق فى التجارة». فلقد اعتمد المنتمون الى تنظيم الاخوان المسلمين على هذا الحديث الشريف فى تأكيد جانب الحلال فى تكوين الثروات من التجارة وفى تبرير تضخم ثروات القادة من خلال ممارسة التجارة مع اختلاف اشكال التجارة الحديثة عن شكل التجارة البسيط الذى كان سائدا فى عهد الرسول.
بعد أن انضم الإخوان المسلمون الى ثورة 25 يناير 2011 وأدوا الادوار التى فتحت لهم الفرص على مصراعيها للصعود الى السلطة، اى الى الحكم، بدا بوضوح أن ثروات الإخوان المسلمين التنظيمية والفردية تلعب ادوارا كبيرة فى «امتلاك» الحكم. وقد بدأ استخدام الثروة قبل الدور الذى قامت به فى انتخابات مجلس الشعب وبعد ذلك فى الانتخابات الرئاسية بمرحلتيها. وهو أمر تعذر على الإخوان القيام به فى تحولات مهمة أخرى من نوع إلغاء مجلس الشعب. واصبح معروفا تماما أن الاخوان المسلمين لجأوا الى ثرواتهم فى اخراج اعداد غفيرة وفيرة من المواطنين لمواجهة مظاهرات الجماهير الشعبية التى تصدت للنظام الذى رأسه الاخوان المسلمون.
•••
هكذا يكون الاخوان المسلمون، وخاصة قياداتهم العليا، قد لجأت الى استخدام ثرواتهم فى السياسة بعد استخدامها فى التجارة. وجرى ذلك دون ان يستند الى اساس دينى مثل حديث الرسول عن التجارة. انما بدا بوضوح ان الزعامات الاخوانية تستخدم صيغة حديث الرسول وكأنها تقول «تسعة اعشار الرزق فى السياسة». ولم يكن من المتصور ابدا أن يهجر الاخوان المسلمون على المستوى الجماعى او الفردى استخدام المال وسيلة أساسية لتحقيق اهدافهم. الامر الذى لايزال مستمرا فى عمليات مقاومة الجماهير الشعبية ومظاهراتها ضد نظام الإخوان.
وهذا الاسلوب بحد ذاته لا يستبعد بطبيعة الحال أن يمارس الإخوان المسلمون الاساليب ذاتها فى كسب مزيد من الأموال من مصادر اموال الشعب المصرى الموجودة تحت تصرفهم كسلطة. واذا كانوا قد نجحوا فى استخدام اساليب حكم مبارك السابق فى نواح عديدة فليس من المستبعد ابدا ان يمارسوا اساليبها فى تعويض الاموال التى ينفقون منها على مواجهة المقاومة الشعبية ضدهم. وليس من المتصور أن يفقد قادة تنظيم الاخوان المسلمين اهتمامهم الدائم بالمال عن طريق استمرار الانفاق من اموالهم على اهدافهم دون تعويضها من اموال الشعب التى اصبحت رهن تصرفهم.
ان الاستعانة بالقاعدة القائلة أن «تسعة اعشار الرزق فى السياسة» توجههم نحو استغلال السياسة فى كسب المال. ولا شك ان احد اساليب كسب المزيد من المال يتمثل فى تعيين مئات الافراد من الإخوانيين الأعضاء او من الإخوانيين بالميول فى مناصب يتولون من خلالها الدفاع عن الاخوان المسلمين واعتقاداتهم وسياساتهم فى كل مجال. إن انتشار هؤلاء فى المناصب الرسمية وغير الرسمية فى اجهزة الحكم انما يدل على أن ممارسة السياسات الاخوانية مفضلة على ممارسة السياسات الوطنية والقومية التى من أجلها تتظاهر الجماهير فى الميادين وتتلاقى القوى الثورية من كل اتجاه مناهض لحكم الاخوان.
•••
ان مرحلة مهمة قادمة من المواجهات بين الجماهير الشعبية وتنظيماتها وتنظيم الاخوان المسلمين الحاكم ــ بما فى ذلك مرحلة مقاومة المحاولات الاخوانية الدؤوبة لفرض دستور موضوع على قياسها وبما فى ذلك مرحلة انتخابات مجلس الشعب التالى، ستفرض على التنظيم، وكذلك قياداته الثرية، ان يلجأ الى امواله الخاصة للإنفاق منها على هذه المواجهات بهدف الخروج منها فائزا. اى أن التنظيم الإخوانى سيجد نفسه مضطرا الى اتباع الاساليب السابقة التى كسب باستخدامها مواقع على خريطة السلطة المصرية.
لكن هل يضمن الاخوان المسلمون تحقيق مثل هذا الفوز فى مواجهة صريحة وحادة وربما عنيفة مع الجماهير المصرية؟
هذا هو السؤال الذى يفرض نفسه على الفور بالنسبة للمرحلة المقبلة. وهو سؤال يعادل التساؤل عما اذا كان تمسك الاخوان المسلمين بالسلطة يمكن أن يتحقق عمليا بمجرد الاستناد الى ثروات التنظيم وافراده الأثرياء الذين يصل منسوب ثرواتهم الى المليارات.
وهو ما يعنى أن المرحلة المقبلة من ثورة جماهير الشعب المصرى لن تختلف عن المرحلة التى تمثلت فى ثورة 25 يناير 2011. ان مصر بحاجة الى ثورة من هذا الطراز نفسه لتحقيق الخلاص من سلطة الاخوان المسلمين. فلقد تحولت سلطة الإخوان الى نسخة طبق الاصل من نظام ما قبل الثورة ــ نظام مبارك ــ خاصة فى تحديها لإرادة الجماهير المصرية. وبالأخص فى استخدامها المال بكل السبل فى مقاومة هذه الارادة.
وقد اصبح واضحا من الآن ان الثورة المتفجرة من جديد فى مصر لن تفتقر الى القيادة. ربما تكون المشكلة عندئذ مشكلة تعدد القيادات. وهذه مشكلة يسهل حلها، كما يسهل حل مشكلة قوة المال.