يحيط الصخب بنا من كل جانب. من داخل البرلمان ومن خارجه. بين الأحزاب بعضها بعضا وبين كل القوى السياسية. الصخب متبادل أيضا بين البرلمان وحكومة الجنزورى. بل إن الصخب يشمل السلطات المختلفة كل بداخله ومع السلطات الأخرى. إذ نشعر بأن السلطة التنفيذية غير متوائمة مع نفسها وكذلك حال السلطة القضائية. هذا كله فضلا عن الإعلام أو السلطة الرابعة كما كانت تسمى ووسط الصخب لم نعد نعرف إذا كانت لا تزال تحتفظ بهذه الصفة.
لعلنا أصبحنا نعتقد أن الصخب مرادف للديمقراطية أو مصاحب لها، وبالتالى فإنه لا ديمقراطية بدون صخب. وهكذا أصبح يبدو لنا وكأن المزيد من الديمقراطية يعنى مزيدا من الصخب أو أن المزيد من الصخب يعنى مزيدا من الديمقراطية. وبالمعنى نفسه أنه إذا قل الصخب تكون الديمقراطية أقل، وربما اعتقدنا أنه عندما كانت الديمقراطية أقل كان الصخب أقل وكنا نتمتع بحالة من الهدوء.
ومما لا شك فيه أن الحركات الفئوية ــ كما جرى على ألسنتنا الحديث عن الاحتجاجات والإضرابات والمظاهرات والاعتصامات ــ أضافت المزيد والمزيد إلى الصخب المحيط بنا وإن كنا نسلم بأنها مطالب عمالية وفلاحية ومطالب عاملين من مختلف المستويات والمراتب. ويتخذ الخلاف بيننا حول تقييم هذه المطالب الفئوية ومدى أحقيتها هذا فضلا عن الحوادث الكثيرة المنسوبة إلى البلطجة والبلطجيين، وعن الحوادث الإجرامية التى يبدو بعضها غير مألوف لنا سواء من حيث درجة بشاعتها أو كثرة حدوثها.
●●●
خلاصة القول أن الخلاف الرئيسى بيننا ــ بين كل الخلافات الكثيرة التى نعانى منها فى الوقت الحاضر ــ يصب فى خانة غياب المناقشة الهادئة والحوار العقلانى ــ أى غير الانفعالى ــ الرامى إلى التوصل إلى قرارات مدروسة ومنطقية تضع نصب أعينها الأهداف الأساسية الرئيسية التى حددها الثوار للثورة قبل انطلاقها فى 25 يناير 2011. وبالتالى إننا إذا استطعنا أن نضع هذه الخلافات فى إطار من المنطق بعيدا عن الانفعال نستطيع أن ننتهى إلى نتائج لها قيمتها ووزنها السياسى وقدرتها على إنجاز أهداف الثورة. وبتعبير آخر أن كل المشكلات التى نعانى منها بعد الثورة يمكن أن تحل إذا استطعنا أن نفرض على أنفسنا الهدوء اللازم للتفكير العقلانى المنطقى وفقا لأهداف الثورة.
لكن قد نرد على أنفسنا أو يرد علينا من يختلف معنا فى هذا التشخيص الشديد التبسيط، ليؤكد لنا أن الثورة بحد ذاتها فعل انفعالى، حتى وإن تصورنا أن تحديد أهدافها الأساسية يتم خلال عملية فكرية تشتمل على ما تنطوى عليه ثقافة الثوار ومعارفهم ومعلوماتهم عن التاريخ، سواء تاريخنا المصرى أو تاريخ الثورات التى حدثت فى بلدان أخرى فى أزمنة مختلفة، وخصوصا منها ما اتفقت ظروفه مع ظروفنا أو تشابهت مع تلك الظروف على الأقل.
وهذا يستوجب منا أن ندرك أن المرحلة الانفعالية للثورة تقتصر على وقت المواجهة مع النظام القديم والقوات التى يستند اليها لصد الثورة وإبعادها عن طريقه. ومعنى هذا ــ بالضرورة ــ أن استمرار الدوافع الانفعالية التى أدت إلى الثورة بعد أن تنقضى مرحلتها ــ وهو ما يتخذ بشكل عام شكل الصخب والابتعاد عن العقلانية والتفكير الهادئ ــ هو الذى أدى إلى ما نحن فيه الآن فصرنا موزعين بين الاعتقاد بأن الصخب حل محل الثورة أو أن الثورة مستمرة ما دام الصخب لا يزال يفرض نفسه عليها وعلينا.
غير أن هذا لا يفسر ما حدث للثورة المصرية، إنما يصفه فقط. يصف حالة الصراع القائمة بين القوى المختلفة بأنها حالة الميل إلى الصخب اعتقادا بأن الصوت الأعلى والأشد رنينا فى هذا الصخب يكسب فى النهاية بينما يخبو ثم يختفى الصوت الأهدأ. أى أننا لا نجد هنا تفسيرا لسبب أو أسباب استمرار الحالة الانفعالية، إذا كان اعتقادنا أن الثورة مستمرة فى صورة صخب، أو تفسيرا لسبب أو أسباب انقطاع مسيرة الثورة بحلول الصخب محلها.
●●●
والواقع أنه يتعين على من يريد أن يفسر استمرار الثورة أو انقطاعها بحلول الصخب والانفعالات المصاحبة له أن يرجع إلى الخلفيات التاريخية العديدة لمصائر الثورات، إما إلى الاستمرار وتأكيد قدرتها على البقاء حتى وإن بقيت حالاتها الانفعالية الصاخبة، أو الانقطاع ــ التدريجى أو الفجائى ــ تحت وطأة سيطرة الصخب إلى حد القضاء على التفكير العقلانى الهادئ. وتدل تجارب تاريخ الثورات على أن المرحلة الانفعالية تبقى مسيطرة على الثورة لفترات متفاوتة، خصوصا إذا كان الصخب المصاحب لهذه المرحلة هو صخب العنف، صخب استخدام السلاح. كان هذا حال الثورة الفرنسية فى القرن الثامن عشر وحال الثورة البلشفية (بسبب حرب التدخل الخارجى أساسا) فى القرن العشرين.
وهنا نتنبه إلى أن الثورة المصرية أثبتت إلى أقصى مدى يمكن تصوره أنها سلمية وأن قدر الانفعال فيها هدأ بعد رفض القوات المسلحة التدخل لحماية النظام القديم واستقر بصورة شبه تامة بعد تنحى رئيس هذا النظام. لسبب ما بدا الثوار مكتفين بهذا التنحى أو مقتنعين بأن كل ما عدا ذلك لن يجد معارضة لمطالب الثورة. ربما أثبتت التطورات اللاحقة خطأ هذا التقدير. الأمر الذى أدى إلى استمرار الحالة الانفعالية نتيجة لمقاومات الثورة المضادة وبالتالى ارتفاع وتيرة الصخب المتصاعدة من جانبى الثورة والثورة المضادة.
يبقى أن تبرهن الثورة المصرية على أن الصخب لن يقضى عليها من خلال الوهم الذى يخلقه بأن الصخب معادل للديمقراطية. وأن تبقى متمسكة بسلميتها التى تبرهن فى حد ذاتها على سيطرة الفكر المنطقى الهادئ عليها.فهذا هو التأكيد الضرورى على الديمقراطية وهى ترضى باحتواء الثورة.