تعليقا على الكشف عن ثلاث قنابل بالقرب من مبنى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة كتبت الصديقة العميدة الدكتورة هالة السعيد على فيسبوك تقول «لم أكن أتخيل أن أعيش اليوم الذى تكون فيه العملية التعليمية غير محسوبة المخاطر». التعليق السابق يعكس حجم الصدمة من ظاهرة وضع القنابل فى أماكن متفرقة داخل الحرم الجامعى، فكلية الاقتصاد هى آخر الكليات المستهدفة بالقنابل وليست أولها، ولا يقلل من هول الأمر وشذوذه أن القنابل كانت بدائية الصنع فالقنابل هى القنابل. ولا يعلم المرء بعد أن استمر الارتفاع فى سقف العنف المتبادل داخل الجامعات المصرية بين الأمن وطلاب الإخوان من إلقاء الحجارة إلى ما يسمى الشماريخ إلى زجاجات المولوتوف إلى الخرطوش إلى الرصاص الحى إلى القنابل هل يأتى علينا يوم يتم فيه مثلا تلغيم المدرجات أو تفخيخ السبورة؟ لا أستبعد ذلك فكل شىء مباح وكل مكان مستباح حتى إن كان الأصل فيه أنه «حرم». يحمل كل عضو هيئة تدريس وكل موظف وكل طالب روحه على كفيه كل يوم وهو يضع قدمه داخل «الحرم» فقد يقتحم نفر من طلاب الجماعة إياها قاعة المحاضرات أو الكونترول ويقررون بحسم أنه لا تدريس ولا امتحان بعد اليوم.
•••
وبعد أن كانت أحد التسهيلات الإدارية الضرورية التى تقدمها الجامعة لأعضاء هيئة التدريس أنها تتيح لهم أماكن لانتظار سياراتهم، وهذا مكسب ثمين فى ظل الزحام الشديد، صارت السيارة داخل «الحرم» عبئا على صاحبها فهى إما محاصرة عند غلق أبواب الجامعة فى حال اشتداد المواجهات أو هى نفسها فى مرمى التراشق بين الأمن والطلاب إما بشكل عفوى أو متعمد.
ومع ذلك فإن الإشارة إلى أن العملية التعليمية فى الجامعات المصرية كانت بمنأى تام عن الخطر قبل استفحال عنف الإخوان تحتاج إلى شىء من المراجعة، فطالما أن الحركة الطلابية هى فى طليعة القوى الاحتجاجية أثناء الاحتلال البريطانى وبعد ثورة 1952، وحيث إنها تتفاعل مع كل التطورات العربية المحيطة بها فإن هذا يفترض ضمنا أن تندلع مواجهات بين الطلاب وقوى الأمن بين حين وآخر. ومن داخل كليتى نفسها، أى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة خرج اثنان من أبرز قادة الحركة الطلابية المصرية فى نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات هما الدكتور محمد السيد سعيد والدكتور أحمد عبدالله رزة. أسهمت أجواء تلك الفترة وما ارتبط بها من تزايد الدعوة إلى الديمقراطية من جهة، والمطالبة باسترداد الكرامة المصرية وإنهاء حالة اللاسلم واللاحرب أو ما عُرِف فى حينه بضبابية المشهد السياسى من جهة أخرى، أسهمت تلك الخلفية فى تأجيج الوسط الطلابى وتصدر سعيد ومن بعده رزة واجهة المشهد. كان هذان القياديان بطلى المشهد الطلابى بامتياز، ومازلنا نذكرهما بعد أكثر من أربعين عاما على نضالهما السياسى فمن هم أبطال المشهد الطلابى اليوم؟ لا يبرز أحد، ومن ستُخلدَ ذكراه بعد خمس سنوات من الآن؟ لن يذكر أحد. وفى المجمل فإن هناك ثلاثة اختلافات أساسية تميز الحراك الطلابى الحالى عنه فى نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات.
•••
الاختلاف الأول يتمثل فى آلية النضال السياسى، فعندما قرر أحمد عبدالله رزة وعدد من القيادات الطلابية الاعتصام داخل جامعة القاهرة ضغطا على السادات للثأر من هزيمة 1967 لم يفكر أى منهم فى اقتحام المدرجات وإرغام الطلاب على الاعتصام ومقاطعة الدراسة، فكان نضالهم السلمى أكثر قوة من كل قنابل الإخوان وشماريخهم. ولم يضبط رزة متلبسا بالتحريض على العنف رغم اقتحام الأمن مقر الاعتصام واعتقال الطلاب بما فيهم رزة نفسه الذى اعتقل ثلاث مرات عامى 1972 و1973.
والاختلاف الثانى هو أن حدود الحرم الجامعى مثلت ساحة الفعل السياسى للطلاب، بمعنى أن نضالهم كان بهدف بلورة حركة طلابية معارضة لسياسات النظام وليس لإحداث فوضى عارمة فى الشارع المصرى. الآن سالت الحدود الفاصلة بين من هو داخل الجامعة ومن هو خارجها، وبالتالى سوف تجد بين من يتجمهرون خارج أسوار الجامعة، ويحاولون اقتحامها طلابا فى مرحلة التعليم الثانوى العام أو الأزهرى، وموظفين حكوميين، وعمالا باليومية وأيضا عاطلين، ولذلك فإن الحديث عن أن الطلبة هتفوا واشتبكوا وأصيبوا أو أصابوا هو حديث غير دقيق لأن ليس كل الموجودين فى محيط الجامعة من الطلاب بعد أن اختلط الحابل بالنابل.
الاختلاف الثالث الجوهرى والمرتبط بسابقه أن الحراك الطلابى الحالى هو فى معظمه (وليس كله لأن بعض الطلاب لا ينطبق عليهم ما سوف أذكره لاحقا) أداة من أدوات ذلك التنظيم الأخطبوطى الذى يوظف أذرع عديدة فى الداخل والخارج للدفاع المستميت عن الملُك الضائع، وكما أن بعض أفراد الجاليات المصرية فى الخارج يأتمرون بأمر التنظيم ويتحركون لتخريب الفاعليات المختلفة التى يشارك فيها خصوم الإخوان كذلك فإن بعض الطلاب فى الداخل ينفذون الهدف نفسه على طريقتهم.
•••
إن أحدا من المدافعين عن العمل السياسى بالجامعة لم يدر بخلده قط أن تكون هذه البلطجة هى عنوان العمل السياسى، وإن كان الأمن يستدرج إلى داخل الجامعة فلأن هذا هو رد الفعل المتوقع على ضرب العمداء وتعرية الأساتذة واختطاف الأمن الإدارى وإعمال التكسير والتخريب لتبدأ فى التشكل الدائرة الخبيثة: عنف طلاب الإخوان، فاقتحام الأمن الجامعة والقبض على الطلاب، فالعنف الطلابى مجددا للمطالبة بإطلاق المقبوض عليهم، فتحرك الأمن لملاحقتهم، وهكذا دواليك. وإلى أن تفتح الجماعة عيونها على الواقع وتبصر الأشياء كما هى لا كما تتخيلها سوف تسيل دماء كثيرة وتمحى الأسماء، أما محمد السيد سعيد وأحمد عبدالله رزة فهما باقيان قبل حكم الإخوان وبعده.