المهنة جزَّار - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 3:57 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

المهنة جزَّار

نشر فى : الأربعاء 27 مايو 2009 - 5:45 م | آخر تحديث : الأربعاء 27 مايو 2009 - 5:45 م

 من الأسئلة التى اعتدنا أن نلقيها على أطفالنا أمام الضيوف من باب استعراض قدرة الصغار على التفكير والحكى سؤال: تحب تشتغل إيه لما تكبر؟ وهى مثل هؤلاء الأطفال كثيرا ما وُجِّه لها هذا السؤال، وعندما تعود بذاكرتها إلى الوراء ستجد أنها قدمت له على الأقل إجابتين مختلفتين ثم إذ بها فى النهاية تشتغل ما لم تُجِب به. تذكر أنها فى أول مرة وُجِّه لها هذا السؤال اختارت أن تعمل مضيفة ففى السفر خبرة وسياحة وتغيير وصداقات وشوبنج. وعندما كبرت قليلا وكرروا عليها السؤال نفسه اختارت أن تعمل أديبة فهى من طينة أجدادها العرب، الذين تعلقوا بالحرف عشقا وهجاء ورثاء وتزلفا. وأخيرا لا هى اشتغلت فى الضيافة ولا هى اشتغلت بالأدب فقد أعَّد لها القدر زاوية فى ساحة السياسة، فانتحت جانبا.

عادة ما تكشف إجابات الصغار فى كل عصر وأوان عن حجم التغيرات الاجتماعية فى المجتمع وتنم عن خريطة توزيع مصادر القوة والنفوذ بين الطبقات. ولذلك فإنك على الأرجح ستجد أن كل أبناء جيل الستينيات من الذكور كانوا يختارون مهنة الضابط، فقد كانت فكرة التحرر الوطنى فى هذا الزمن تخلب العقول، وكان الانتماء للدولة يكاد يتطابق مع الدفاع عن حدودها، ثم إن الثورة جاءت لتذيب الفوارق الاجتماعية وتكسر احتكار الوجهاء لشرف الانتماء للمؤسسة العسكرية فأقبل عليها المواطنون البسطاء من باب نحن هنا، هذا إلى ما أصبح للضباط من حظوة ومزايا لا يدانيها أحد.

ومنذ مطلع السبعينيات ساد الولع بمهنة رجل الأعمال كمصدر للثراء الكبير والضوء المبهر، وكما سبق أن مارس العسكر السياسة حدث التزاوج بين المال والسلطة فراج اختيار الصغار مهنة رجل الأعمال فى إجاباتهم عن السؤال إياه. كان مصطلح رجل الأعمال مطاطا إلى حد استوعب كل من يعجز عن توصيف عمله بدقة، لكنه كان مغريا وأيضا متطورا. فقد تشعبت هذه المهنة ونشأت فى ركابها أو تعززت بوجودها كتيبة من المهن الأخرى التى احتاجها رجل الأعمال لتضارب له بأمواله فى البورصة، وتدير له حملاته الانتخابية، وتوفر له الحراسة الشخصية، وتصمم أفراح عياله وزيجاته الثانية والثالثة إن لزم الأمر.

أما ذلك الطفل الذى حكوا لها عنه قبل يومين فقد كان له خيارا آخر تماما، فلم يختر ابن الخامسة أن يكون رجل أعمال ولا بالطبع ضابطا، ولا حتى فكر أن يكون شيخا أو لاعب كرة، وكلاهما صاحب مهنة فيها ما يغرى بقوة، لكنه فى رده على السؤال الخالد قال: عاوز أشتغل جزَّار. أدهشتها بشدة إجابة الطفل الذى ألحقه أبواه بإحدى أرقى مدارس اللغات وتوقفت أمامها، فمن المؤكد أن إجابته حتى الآن تعبر عن استثناء، ومع ذلك فإن هذه الإجابة بالغة الدلالة على حجم التغير فى المجتمع المصرى حتى لتستهوى بعض أطفالنا مهنة بها كثير من العنف وقليل من الوجاهة الاجتماعية كمهنة الجزَّار.

أصبح العنف هو الخبز اليومى للصحافة المصرية الرسمية والمعارضة، ويكفى أن نعاود قراءة أعداد الصحف الصادرة فقط على مدار الأسابيع الثلاثة الماضية حتى ينتابنا الهلع من حجم الغِل، الذى يختلط بقتل الضحايا صراعا على بضعة جنيهات أو تمردا على علاقة آثمة أو غضبا من دعوى خلع. قتل تتسع دائرته لتشمل بالمرة كل من يلقى بهم القدر فى طريق القاتل وإن لم يكن لهم صالح بالأمر كله، وتشتد شهوته فلا تعود للقاتل حاجة إلى الليل ليستره، ويبرر نفسه بطرق جهنمية حتى لا تنفع الضحية صلة دم أو تشفع لها كهولة، ويتسع مرماه فلا يرضيه إلا مدفع رشاش لأنه يحصد. اعتاد أطفالنا على رؤية أنهار الدم تجرى ولم يكن يراها أيام زمان إلا الكبار فقط مع أن القتل كان أرحم بكثير. وحملت لهم المواقع الإلكترونية مشهد الخنازير المعلقة فى الهواء وأسنان اللودر العملاق تنغرس فى لحمها بوحشية نادرة فتنزف حتى الموت أو تدفن فى القبر حية ولا عجب، فمن لا يرحم الإنسان لا يشفق على الدابة.

فى ظل هذا المناخ القانى قد لا يبدو مستغربا أن يخرج من أطفالنا من لا يفزعه مرأى الدم وينصرف عن المهن، التى نرشحها له إلى المهن التى لم تخطر على بالنا قط ليس من باب الترفع عنها، لكن لأنها لا تناسبهم بالضرورة.

تذكر عندما كانت فى مثل عمر الطفل إياه، والقياس هنا طبعا مع الفارق، كيف كانت تتناوم صباح يوم عيد الأضحى حتى تهرب من مشهد ذبح الخروف الذى استمتعت بإطعامه وسقايته واللعب معه طيلة أسبوع كامل، وكيف كان أبواها المتدينان والمتحضران فى الوقت نفسه لا يلحان عليها كى تصحو ما دام الله لا يكلف نفسا إلا وسعها. كما تذكر كيف كان ينقبض قلبها فى كل مرة تشاهد فيها الكف المغموس فى الدم مطبوعا على السيارات الجديدة، التى تظهر فجأة لتزيد شارع المنيل ازدحاما، فهى لم تفهم أبدا العلاقة بين الدم ومنع الحسد. كنا وقتها نجفل من رؤية الدم المسال وإن يكن حلالا، أما الآن فقد صار بيننا من ينتشى لإهدار الدم الحرام ويجد من رباطة الجأش والوقت البراح ما يمكنه من التفنن فى ابتكار وسائل التخلص من أشلاء ضحاياه قطعة قطعة.

يوم تلو الآخر ينمو إحساسها بالغربة فى وطنها وكل ما فيه يتغير، وبين الحين والحين يظهر ما يحاول أن يهز قناعتها بما تربت عليه وآمنت به، وبالتدريج تفقد أعزاء كانت تشاركهم القيم والمشاعر الطيبة والذكريات، والآن هى تخشى أن تبلغ غربتها مداها عندما تأتى تلك اللحظة، التى تتحول فيها مهنة جزَّار من كونها اختيار فرد إلى كونها اختيار جيل بأكمله.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات