حيّر مصطلح «الاغتراب» الفلاسفة واساتذة الفلسفة ودارسيها زمنا طويلا. ولم يلبث ان حير ايضا علماء الاجتماع وعلم النفس عندما بدا انه يصف ظواهر واعراضا اقرب الى هذين التخصصين منه الى الفلسفة. والواقع من حولنا ملىء بالظواهر والاعراض الدالة على وجود الاغتراب حيا وملموسا وجاثما على صدور المواطنين من كل مستوى فى وطننا العزيز مصر.
فى بعض الاحيان لا ندرك طبيعة ما نعانى من هموم الا من خلال ما نقرأ عن الاعراض والظواهر. خلال هذا الشهر الاخير من معاودة القراءة عن الاغتراب دلنى هذا الموضوع القديم/الجديد على اننا نحن المجتمع المصرى نعانى من الاغتراب. صحيح ان الوقت ليس وقت فلسفة ومحاولة كشف الغموض عن مصطلح فلسفى لا يزال الخلاف قائما بين المتخصصين حول بدايته.. هل ترجع الى ظهور المسيحية أم انها كانت مع الفيلسوف الاجتماعى الفرنسى جان جاك روسو ام ان البداية الحقيقية كانت مع الالمانى هيجل وان كارل ماركس قلبه راسا على عقب عندما اعطى للاغتراب معنى ومضمونا ماديا اقتصاديا.
لا. لست اقصد ابدا الى اثارة موضوع فلسفى. انما اجد نفسى امام حتمية توصيل هذه الفكرة بان مجتمعنا يعانى من اغتراب بل من اغتراب مضاعف. ويتطلب هذا منى ان احاول تقديم اقصر تعريف ممكن للاغتراب. انه فى التعريف الادق والأقصر يدل على الحالة التى تنتج عن العلاقات الانتاجية فى النظام الرأسمالى حيث لا يعود العامل المنتج يشعر بأن انتاجه ينتمى اليه. انه يشعر بغربة تجاه منتجه. فلا هو قادر على أن يحوزه أو يمتلكه ولا هو قادر على ان يعلن انتماء هذا المنتج اليه. انه ينتمى للرأسمالى بكل ما يعنيه الامتلاك مع انه لم يخلقه ولم ينتجه بجهده وعرقه. الاغتراب يخلق اذن لدى العامل المنتج شعورا بانعدام القدرة وانعدام المعنى وحتى شعورا بالعزلة النفسية والاغتراب عن ذاته.
واذا اردنا اختصارا اشد فإن المعنى المقصود بالاغتراب ككل هو انتزاع الانسانية من الانسان العامل. لكن الاغتراب لم يلبث ان اكتسب معنى ان البنى الاجتماعية فى ظل الراسمالية تحرم الفرد من امكانية تحقيق رغباته الخاصة وترغمه على تحقيق رغبات الاخر بالاضافة الى شعور الفرد بالعجز امام تعقد الانظمة الاجتماعية. وتنشأ عن هذا تعقيدات نفسية للفرد نتيجة تعقد الحياة الحديثة بينما يزداد دور العامل المنتج بساطة وآلية. ويؤدى هذا الى الشعور بالعجز السياسى لدى المواطن وبالتالى عجزه عن بلوغ الديمقراطية الحقيقية كنظام منصف.
فلنترك جانبا التعريفات الموجزة ولنبدأ محاولة المعنى الذى اوصلتنا اليه فكرة الاغتراب باعتبارها تلخص الاعراض الكثيرة للاغتراب كما نعانى منها. هذا الوضع بحد ذاته يخلق حالة اغتراب مضاعفة يضيع فيها شعور كل من هو خارج اطار الطبقة الغنية الحاكمة فى مصر فإن من الضرورى ان نشير إلى ما هو حادث فى مجتمعنا من ابتعاد الطبقة الرأسمالية الحاكمة بمسافات بعيدة عن باقى مكونات المجتمع سواء العمال أو الفلاحين أو الفقراء بشكل عام الذين لا يشغلون مواقع فى الطبقة العاملة تحديدا. والشعور بالاغتراب عن تلك الطبقة القادرة اقتصاديا وسياسيا هو شعور مضاعف حيث لا يبدو أى أمل فى التحرك على السلم الاجتماعى صعودا نحو هذه الطبقة القادرة.
يعانى مجتمعنا ايضا نوعا اخر من الاغتراب لا ينفصل عن ذلك السابق. فقد تحول الى مجتمع استهلاكى يدعو للاستهلاك بكل انواع الدعاية انتشارا وذيوعا، ولكن القادرين على الاستهلاك ــ حتى للضروريات ــ يشكلون نسبة صغيرة من افراد هذا المجتمع، والغالبية غير قادرة على الاستجابة لمتطلبات المجتمع الاستهلاكى، وهى مشغولة عن ذلك بتدبير «لقمة العيش» وهو التعبير البسيط عن الحد الادنى من رغبة الاشباع. ومع ابتعاد المسافة بين الفئات التى يخاطبها ويلبى رغباتها هذا المجتمع الاستهلاكى وبين الساعين الى لقمة العيش فان الاغتراب يتخذ صورة ارتباك معنى الانتماء لوطن واحد على الرغم من العيش فى مجتمع واحد.
يعانى مجتمعنا اغترابا من نوع اخر. اغتراب عن الحاضر لحساب ماض يعتبر انه كان قريبا زمنيا، ونفسيا، المجتمع الذى كان يعتبر احد اهدافه الرئيسية ازالة الفوارق بين الطبقات حينما لم تكن تلك الفوارق شاسعة كما هى اليوم. وهو ماض كان نصيبه من الحرية الفردية اقل كثيرا من نصيب الحاضر. لكن ذلك الماضى كان ذا قيمة عالية اجتماعيا وسياسيا حيث كانت الاهداف السامية للوطن ودوره اهدافا تزيد التماسك بين فئات المجتمع وطبقاته من هذه النواحى الاجتماعية والسياسية حتى وان تخللت ذلك تضحيات كبيرة دفاعا عن «دور مصر الطليعى والقيادى».
ويتضاعف هذا الاغتراب فى زمننا الراهن نظرا لان السياسات الجديدة التى حلت محل دور مصر تبدو سياسات هى فى التنفيذ لخدمة النخبة الثرية الحاكمة، تضاعف مكاسبها المادية وتقلل - فى الوقت نفسه - مكاسب الاغلبية.
يعانى مجتمعنا من اغتراب من نوع اخر - وان كان صادرا من المصادر ذاتها الناجمة عن اتساع الهوة الطبقية ــ هو الاغتراب عن الوطن الذى جعل الهجرة الى خارجه مطلبا للنخبة وفى الوقت نفسه مطلبا للمغلوبين على امرهم. لم تكن الهجرة من مصر ابدا هدفا للمواطنين كما هى اليوم. هل يعنى هذا ان المواطن المصرى لم يعد يحب بلده؟ ما المعنى الكامن وراء استعداد الفقير المصرى لأن يلقى بنفسه بين امواج البحر المتوسط مستعدا لان يغرق فى طريقه الى هجرة غير شرعية يعرف انه غير مرغوب فيه فى نهايتها. انه اغتراب مع كل الحب الذى يكنه للوطن واهله فيه. ان غايته النهائية ــ اذا تجاوز الموت - ان يكوّن ثروة ضئيلة بكل المقاييس يعود بعدها وله قدر من الاعتبار بين اهله واهل بلده.
وعلى الطرف الاخر من صورة الهجرة نجد هذا الاستعداد الناتج عن الاغتراب من جانب ابناء النخبة لترك مصر الى امريكا أو اوروبا نحو حياة ارقى، انظف، اكثر امنا، اكثر كرامة واهتماما بالمواهب والقدرات. هذا اغتراب يفضى الى الغربة ولا معنى عند هذا الطرف للسؤال عن حب مصر. انه الفرد الذاتى البحت وقد شق الاغتراب صدره واخرج قلبه منه. انه اغتراب مضاعف عن الوطن وعن الطبقة وعن الذات.
ولعلنا جميعا ندرك وضوح التناقض الذى نعيشه ونعانى منه بين سيطرة الفكر الدينى ــ بمعناه الطقوسى البحت وليس بالمعنى العميق للدين ومبادئه ــ وبين انتشار الفساد الاخلاقى فى المجتمع بكل اشكاله، من الجريمة الى تفريعتها الكبيرة والصغيرة. اننا لا نكاد نستطيع ان نستوعب هذا التناقض الناجم عن اغتراب مضاعف بداخلنا بين التمسك بالشأن الدينى اللفظى الشكلى وخضوعنا لاشكال متباينة من السقوط الاخلاقى والاجتماعى والنفسى.
لعلنا اذا أوغلنا فى التامل فى احوال مصر وجدنا الاغتراب موجودا مضاعفا حيثما اتجهنا.
هل يعنى هذا ان المجتمع المصرى قد استسلم للاغتراب بوعى منه أو بغير وعى؟
ابدا. ستبقى معجزة مصر فى قدرتها على تخطى الصعاب وليس الاغتراب وإن كان واسع الاركان وإن كان مضاعفا أصعب ما واجهت مصر من صعاب.
لا معنى للاغتراب عن الامل. إنما المسألة مسألة وقت.