يبدو أن ما أعلنه الرئيس (المؤقت) عدلى منصور، أثناء وجوده قبل ايام فى الكويت، من انه لن يرشح نفسه لرئاسة مصر يدعو إلى القلق وبالتالى التأمل فى هذا الوضع.
فالرئيس منصور برهن خلال الفترة القصيرة منذ توليه الرئاسة على انه يمتلك من قدرات الرئاسة ما اقنع غالبية كبيرة من الشعب المصرى بأنه ــ بعد الفريق اول عبدالفتاح السيسى ــ أقرب إلى نيل تأييد الغالبية من الناخبين المصريين اذا ما رشح نفسه للرئاسة.. خاصة وقد كرر السيسى التأكيد بأنه لا ينوى الترشح للرئاسة.
نحن إذن أمام أزمة لا يمكن الاستهانة بها سنضطر إلى مواجهتها عندما يحين موعد انتخابات الرئاسة المقبلة.
ولا يبدو أن مصر ستعود خلال فترة قصيرة لا تزيد فى حسابها عن أشهر قليلة إلى وضعها الطبيعى وإلى مكانتها الرفيعة فى المجتمع العربى والدولى. فقد أغرقنا الإخوان فى حالة من الالتباس. ومن الواضح أننا سنحتاج إلى سنوات لتعود مصر ــ نعود بها وتعود بنا ــ إلى حالة الاستقرار والهدوء والتطلع بأمل وتفاؤل نحو المستقبل.
إذا اتفقنا على هذه المعانى يكون من الطبيعى أن نتطلع إلى تغييرات توجهنا نحو الاستقرار والعودة بمؤشرات حياتنا كشعب إلى الاستقرار والصعود. ومن المؤكد أن مصر ستحتاج من أجل هذا الاستقرار إلى أن يكون لها رئيس جاد ومتفهم لمشكلاتها ويغمر قلبه حب لمصر بلا حدود، رئيس يتمتع بصفات القيادة إلى جانب صفات الديمقراطية، بصفات الوعى العميق بالمسائل الوطنية والقومية، وفى الوقت نفسه ادراك متوازن لعلاقات الوطن بالعالم الخارجى، بصفات التواؤم فى العلاقات مع مساعديه والقدرة على التعمق فى افكارهم ومواءمتها لحل مشكلات الوطن وقدرتها على فهم وحل المشكلات الاقليمية والعالمية.
أى انه لابد من رئيس لمصر واسع الادراك لمسائل السياسة الداخلية والخارجية، على تواصل حقيقى مع طبقات الشعب المصرى المتباينة فى قدراتها وأدوارها، كذلك فى تطلعاتها إلى واقع أرقى يعد برقى مستمر فى أحوالها المعيشية، وفيما لديها من امكانيات على مواصلة التقدم من جميع نواحيه.
ربما يمكن اختصار هذه الشروط الواجب توافرها فى الرئيس القادم لمصر فى القول بأنه يجب ان يكون مستوعبا لمشكلات مصر ومحيطها القومى والاقليمى والعالمى ابتداء من الفقر إلى التطرف والارهاب إلى التحديات الخارجية القريبة المتمثلة فى اسرائيل والبعيدة المتمثلة فى امريكا. والامر الذى لا يمكن الشك فيه هو أن مصر تملك من الشخصيات العامة التى مارست النضال السياسى والاجتماعى لسنوات، ما يمكن ان يعد وفيرا من الناحية العددية إلى حد يدعو للاطمئنان.
مع ذلك فإننا نبدو قلقين بشدة من احتمالات الوضع حينما يحين وقت اختيار الرئيس القادم لمصر، خاصة فى ضوء تصريح الرئيس منصور وتصريحات الفريق اول السيسى.
•••
لقد دلّت آخر انتخابات رئاسية خاضتها مصر فى عام 2012 على أن كل المقدمات التى زعمنا فيها أن الشعب المصرى قادر وواع... إلخ ليست مؤكدة بل ربما نقول إنها ليست صحيحة على اطلاقها. فقد أسفرت عن نتيجة اصابت عشرات الملايين من المصريين بخيبة أمل لا مثيل لها فى تاريخه. غير ان السرعة التى تمكن بها المصريون من الانتفاض ضد النتيجة التى انتهوا إليها فى آخر انتخابات رئاسية، ونجاح هذه الانتفاضة فى القضاء على هذه النتيجة، دلّت بالفعل على يقظة الشعب المصرى ووعيه وقدرته الحقيقية. ولا شك أن هذه التجربة ستكون حية فى اذهان المصريين كافة وهم يخوضون انتخابات الرئاسة القادمة. نعنى اول انتخابات رئاسية بعد انتخابات 2012. لعل بإمكاننا ان نطلق على هذا الوضع برمته ــ بما فيه من ايجابيات كثيرة ــ وصف «أزمة الرئاسة المصرية القادمة».
•••
وفى هذا السياق يمكننا ان نرى واقعة تأكيد الرئيس منصور انه لن يرشح نفسه فى انتخابات الرئاسة القادمة. إن هذا التصريح يضيف عبئا إلى العبء الذى يمثله تصريح الفريق اول عبدالفتاح السيسى المتكرر بأنه لا ينوى الترشح لرئاسة مصر. ذلك أن السيسى يملك من الشعبية لدى جماهير المصريين ما يفوق أى منسوب للشعبية ظهر فى مصر منذ رحيل جمال عبدالناصر. ولعلنا لا نخطئ إذا اعتبرنا أن شعبية الرئيس منصور تلى مباشرة شعبية السيسى. فإن تجربته كرئيس مؤقت أكسبته ميلا قويا من جماهير الناخبين الذين يشغلون أنفسهم بالبحث عن إجابة على السؤال ترى من ننتخب للرئاسة؟ هكذا يبدو اننا نخوض أزمة الرئاسة المصرية من الآن. ذلك ان غالبية من يمكن اعتبارهم مرشحين للرئاسة ــ وهم أنفسهم الذين ترشحوا فى انتخابات 2012 ــ يكادون يتساوون فى شعبيتهم.
من هنا يمكننا القول إن تصريح منصور إنما يزيد من مسئولية الفريق أول السيسى لضرورة الاستجابة للمطلب الشعبى لدى الغالبية العظمى من المصريين بأن يرشح نفسه فى الانتخابات الرئاسية المقبلة. إن الذين يؤيدونه لا يفعلون ذلك من موقع عسكريته كما قد يظن كثيرون. ليس كونه من الناحية الرسمية ضابطا إنما هو قدرته على ادراك التوجه الشعبى وحسه العالى بضرورة الحسم فى هذا الاتجاه. هو مواءمة هذه الشخصية مع الاحساس الشعبى العام بحساسية الفترة القادمة.