السلطة بؤرة المشكلة والحل - سمير كرم - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 7:45 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

السلطة بؤرة المشكلة والحل

نشر فى : الأربعاء 29 يونيو 2011 - 9:00 ص | آخر تحديث : الأربعاء 29 يونيو 2011 - 9:00 ص

 يمكن الجزم بأن اسم لورد أكتون قد نسى بصورة تكاد تكون تامة فلم يعد يذكره غالبية المثقفين بمن فيهم دارسو العلوم السياسية الذى كان يوما أحد أبرز مفكريها. مع أن لورد أكتون هو صاحب إحدى أشهر العبارات السياسية إن لم نقل أشهرها. لكن نسيانه بلغ حدا جعل هذه العبارة تنسب إلى غيره فى أحيان كثيرة. نسبت خطأ إلى السياسى البريطانى المحافظ ونستون تشرتشل ونسبت خطأ الى الفيلسوف الليبرالى برتراند راسل.

عبارة لورد أكتون هى القائلة: «إن السلطة تميل لأن تفسد، والسلطة المطلقة تفسد بصورة مطلقة».

وقد بدا لزمن طويل كأن لورد أكتون لم يقل شيئا إلا هذه العبارة. ومع ذلك فإنها لم تحجب عنه النسيان. ومع ذلك فإن بقية هذه العبارة لا تقل أهمية عن بدايتها. يقول لورد أكتون بعدها: «...إن عظماء الرجال هم فى الغالب رجال سيئون حتى حينما يمارسون نفوذهم وليس سلطانهم، بل أكثر من هذا حين تضيف الميل إلى أو اليقين عن فساد السلطة... إن السلطة الاستبدادية تكون مصحوبة دائما بفساد الأخلاق. والسلطة التى لا توجد من أجل الحرية ليست سلطة إنما هى قوة. إن كل فرد يحب أن يحصل على أكثر ما تسمح له الظروف بالحصول عليه، ولا أحد سيصوت لصالح أن يحرم نفسه من نعمة إصدار الأمر ...إن الصراع من أجل تركيز السلطة ومن أجل الحد منها أو تقسيمها هو منبع التاريخ».

لعل هذه الاشتقاقات من لورد أكتون تدفعنا لأن نرى أحداث الثورة المصرية ومجرياتها وتطوراتها الحالية فى ضوء المعانى التى تعبر عنها.

وأول ما يتضح لنا أن السلطة هى مركز الثورة فى جانبها الهدام ومركز الثورة أيضا فى جانبها البناء. لقد أطاحت الثورة المصرية ــ ثورة 25 يناير بنظام احتكر السلطة الى أقصى حد. لم يترك للأغلبية حتى بقاياها لتستند إليها فى مقاومة الفساد. وربما تصف عبارة لورد أكتون عن الفساد المطلق أكثر ما تصف نظام مبارك وعلاقة السلطة المطلقة التى جمعها بين يديه والفساد المطلق الذى نتج عنه على مدى ثلاثين عاما. والآن وثورة 25 يناير تهيئ نفسها لما بعد الفترة الانتقالية تبدأ بمناقشة ما ينبغى عمله لكى تحد من سلطة السلطة أو سلطة النظام الجديد. وتدور كل المناقشات ــ وما يتخللها من اختلافات الآن ــ حول الدستور والانتخابات وما ستسفر عنه من سلطة تشريعية وسلطة تنفيذية. السلطة هى المحور الحقيقى والرئيسى لكل المناقشات الدائرة.

يمكن أن نجزم بأن جو الحريات الذى أتاحته ثورة مصر للشعب فى كل تمثلاته ــ تقريبا ــ أتاح الفرصة للجميع ليحاول إثبات توجهه. بعض القوى السياسية الفاعلة بعد الثورة يريد أن يبدأ من نقطة الحد من السلطات، وبعض آخر يركز جهوده على الحصول على أكبر «كم» ممكن من هذه السلطات. والانقسام بين من يريدون الدستور أولا والذين يرون أن تكون الانتخابات أولا يكشف عن رغبة فى جانب لتحديد الخطوط الدستورية للحقوق والواجبات لكل من السلطتين التشريعية والتنفيذية، ورغبة فى الجانب الآخر للفوز بالجائزة الكبرى من السلطتين متمثلة فى أكبر قدر ممكن من السلطة. وفيما لا يعنى الجانب الأول بإخفاء نواياه لأنه ليس فى نواياه ما يستوجب الإخفاء، فإن الجانب الثانى لا يمارس هذا السعى الدءوب إلى مزيد ومزيد من السلطة بالدرجة من العلنية التى يمكن أن تكشف سعيه إلى أوسع نطاق من السلطة فى جانبيها التنفيذى والتشريعى.

وقد نستطيع أن نبسط الأمور فنقول إن القوى ــ أو التيارات ــ السياسية الجديدة تمثل جانب الحرص على الحد من السلطة فى مستقبل الحياة السياسية فى مصر، وأن القوى والتيارات السياسية القديمة تمثل الجانب الذى يبدى حرصا على صياغة المبادئ العامة بما يتيح له أكبر حيز من السلطة باعتبار ذلك أهم المنافذ إلى التغيير. وهذا التبسيط يعطى نتائج سليمة فى الاستنتاج وإن لم تكن نتائج مطلقة. ويبدو فى الحالتين ــ أنما فى الحالة الثانية أكثر ــ أن القوى السياسية التى تريد أن تقود، وأن تحكم، فيما بعد نهاية الفترة الانتقالية تميل إلى نسيان الحقيقة الجوهرية فى تفجر الثورة فى مصر فى هذا الوقت على هذا النحو.. حقيقة أن الثورة أرادت أن تقضى على سلطة مطلقة فسدت فسادا مطلقا.

معنى هذا أن بعض القوى التى تسعى للحكم بعد الفترة الانتقالية إنما تفضل ــ ولو لاشعوريا ــ أن تنسى حقيقة أن السلطة المطلقة وعلاقتها بالفساد المطلق لابد أن تتكرر حتى وإن لم يكن ذلك عن قصد من جانب هذه القوى. وفى هذا السياق لابد للناخبين ــ أى للأغلبية التى ستصنع شكل الحكم القادم ــ أن تتنبه إلى هذا الخطر .. حتى مع افتراض أنه غير مقصود.

وبطبيعة الحال فإننا لا نعنى بالقوى القديمة فقط تلك التى شاركت فى السلطة التشريعية أو التنفيذية فى النظام القديم. وعلى سبيل التوضيح فإن الإخوان المسلمين مثلا من بين القوى التى تحسب نفسها ضمن قوى ثورة 25 يناير، أى تحسب نفسها قوة جديدة تماما، لكن لابد أن نتذكر وأن نعى أنها شاركت النظام القديم فى فترات سياسية حتى حينما كان بعض قادتها خلف قضبان السجن. والإخوان المسلمون من بين أشد القوى السياسية حرصا على تجميع أكبر قدر من السلطة فى أيديهم فى عهد ما بعد الفترة الانتقالية. ولأنها قوة سياسية ذات أيديولوجية قديمة ــ هى الأيديولوجية الدينية ــ فإن ميلها القوى إلى كسب السلطة يميل لأن يكون مطلقا، إذا استخدمنا تعبير لورد أكتون. فضلا عن أن سعيهم لأكبر قدر من السلطة يدخل تحت باب رد الاعتبار بعد سنوات طويلة من التهميش السياسى والقانونى... على أقل تقدير. والسلطة اذا ارتبطت بالأيديولوجيا تميل لأن تكون سلطة مطلقة. وما نقوله عن الإخوان المسلمين يقال أيضا عن الشيوعيين. لقد شاركوا فى إطلاق الثورة ولكنهم يدينون بأيديولوجية قديمة.

ربما تؤخذ هذه العبارات على أنها دعوة غير مباشرة على الأقل لهجران القديم والإقبال نحو الجديد الذى يعرف أهمية الحد من السلطة ويقبلها ويريدها فى نصوص الدستور ثم فى نصوص القوانين التفصيلية التى تلى ذلك. وليس هذا خطأ ولا هو عيب ينبغى تجنبه. إنما ينبغى أن نكون مستعدين لقبول القوى السياسية ــ خاصة الأحزاب ــ القديمة إذا أبدت اهتماما بالحد من السلطة وتقسيمها بين من يمارسونها، فذلك دليل على أنها تعى أهمية ما تريده الثورة فى هذا المجال المحورى من واجباتها، وهو أن تضع السلطة تحت المجهر لتدقق فى تقسيمها وتوزيعها بحيث لا يكون هناك مجال للفساد النسبى أو المطلق. وبالمثل إذا ظهر بين القوى الجديدة ما تقوده دوافع قديمة الى تركيز السلطة فإنه يخضع بالضرورة للقاعدة نفسها: لا للسطة المفسدة.

وكان لورد أكتون يقول: «إن فرض التحديدات أمر جوهرى بالنسبة للسلطة. ولا تكون حكومة مشروعة إلا إذا كانت محدودة بصورة فعالة.. إن السلطة المطلقة تقوض المعنويات».

وينبغى ألا ننسى أن كل محاوراتنا ــ بين الثورة والآخرين ــ تتعلق دائما وبلا استثناء بالسلطة حجمها وحدودها وأخطارها. السلطة هى بؤرة المشكلة وبؤرة الحل لهذه المشكلة وكل المشكلات فى وقت ما بعد انطلاق الثورة.

سمير كرم  كاتب سياسي مصري
التعليقات