التوريث رهن على ثقافة لا ديمقراطية - سمير كرم - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 7:30 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

التوريث رهن على ثقافة لا ديمقراطية

نشر فى : الأربعاء 30 سبتمبر 2009 - 10:15 ص | آخر تحديث : الأربعاء 30 سبتمبر 2009 - 10:15 ص

 كقاعدة عامة لا يستخدم المحررون الصحفيون عبارة «حادث مروع» إلا لوصف حوادث القتل الرهيبة وحوادث السير التى يروح ضحيتها عدد من المواطنين بين يوم وآخر على الطرق السريعة والبطيئة والبين بين.

لكن الحقيقة أن هناك حوادث أخرى، بعضها ذو صفة سياسية جديرة بأن يوصف كل منها بأنه «حادث مروع» وإن خلت من سفك الدماء المتعمد أو غير المتعمد.

فى يوم 5 سبتمبر الحالى (وفقا لما نشرت «الشروق» فى اليوم التالى) «تعدى عدد من المحامين مساء أمس بالضرب على زميل لهم عقابا له على تضامنه مع الصحفيين المقاطعين لأخبار مجلس نقابة المحامين بسبب تعرضهم لاعتداءات من قبل بعض المحامين».

هذا حادث مروع بمقاييس كثيرة عدا مقياس نزف الدم.. ويكفى أن نذكر من هذه المقاييس أن مجموعة من المثقفين (المحامين) لم تجد أسلوبا غير العنف للتعامل مع زميل وجد موقف النقابة الجارة موقفا سليما لا يستوجب المقاطعة (مقرا نقابتى المحامين والصحفيين يتجاوران وبينهما حدود مشتركة فى قلب القاهرة). وغنى عن القول أن أسلوب العنف أسلوب غير ديمقراطى. وهو فى حالة هذا الحادث عنف يستند إلى ما تصوره المعتدون تأييدا مؤكدا من مجموع أعضاء نقابتهم.

هذا «الحادث المروع» يحمل كل سمات الثقافة اللاديمقراطية. وحين يأتى هذا من المحامين (والتسمية هذه تتصل يقينا بمعنى الحماية، والفعل الثلاثى حمى) فإنه يدل دلالة واضحة على أن الثقافة اللاديمقراطية متغلغلة فى العقل المثقف المصرى... وإلا لكان من الحتمى أن نقرأ فى اليوم التالى عن ردود أفعال احتجاجية متنورة من جانب أعضاء النقابة نفسها (المحامين) تستهجن ما حدث وتعتذر جماعيا عن وقوعه أصلا، وهذا أهم من الاعتذار لضحية الاعتداء.

ليس موضوعى هذا عن هذا النوع من الحوادث المروعة، إنما هو عن الثقافة اللاديمقراطية المتغلغلة فى حياتنا وسلوكياتنا نحن المصريين، والتى توجد أمثلة عليها تكاد لا تحصى فى التصرفات خاصة ذات الطابع السياسى.

وأوضح الأمثلة وأفدحها على هذا النوع من الحوادث المروعة التى ترتكب فى إطار الثقافة اللاديمقراطية، خاصة بين المثقفين السياسيين هو التوريث الرئاسى المطروح بصورة لا تزال تحمل طابعا غير رسمى، وإن كاد يصل إلى حدود المسلمات.

إن التوريث ــ بمجرد طرحه فى ظروف عامة كظروف مصر ــ «حادث مروع» دال على أن الذين يطرحونه إنما يمارسون ثقافة لا ديمقراطية ويرتكبون عدوانا جسيما على القيم الديمقراطية وعلى مستقبل الحياة السياسية فى المجتمع المصرى.. كل هذا دون أن تسفك أى دماء، لكن دون أن نغفل عن حقيقة أن مشروع التوريث يحمل فى طياته أخطار العنف السياسى بما فيه سفك الدماء المتعمد وغير المتعمد أو أيهما.

وصحيح أن مصر ليست الجابون من نواح لا تحصى، لكن التوريث الذى وقع فى انتخابات الجابون أوجد فجأة عناصر مشتركة، تملى علينا النظر بعين الاهتمام والدقة إلى ردود الأفعال العنيفة التى وقعت فى الجابون نتيجة لتنفيذ مشروع التوريث الرئاسى.. ويبدو أن شيئا من ذلك لم يكن متوقعا. أما أن يقع فى الجابون التى لا يتجاوز عمرها كدولة أربعين عاما فهو أمر لا يدعو لأكثر من دهشة محدودة. وإذا كانت مصر ووراؤها تاريخ كمجتمع وكدولة يمتد لآلاف السنين فإنه أمر يدعو لدهشة غير محدودة ويستلزم الحذر فى أقصى درجاته.

هل ستسمح مصر لنفسها بأن يتكرر فيها ما جرى فى الجابون؟ هذا أصبح أمرا ممكنا لأن الخلفية التى سمحت به فى الجابون ــ وهى الثقافة اللاديمقراطية السائدة ــ هى نفسها الخلفية التى يمكن أن تسمح به فى مصر. ولأنه لا يوجد رد ديمقراطى على العنف فإن الرد على التوريث فى مصر يحمل كل الاحتمالات بأن لا يكون ردا ديمقراطيا، ذلك أن العنف يمكن أن يسبق بعفويته كل الردود.

طبعا ليست الجابون وحدها النموذج الذى يضرب به المثل على ما يورثه التوريث.

هناك نموذج كوريا الشمالية وهناك نموذج سوريا، وفى هاتين الحالتين يغيب عنصر العنف.. أو هكذا نتصور إذا ما انحصر تعريف العنف بالسلوك العدوانى الذى يفضى إلى أذى بدنى أو أضرار يمكن أن يكون بينها إسالة الدماء وتدمير الممتلكات. لكن إذا أخذنا العنف بالمعنى السياسى الأوسع فإنه يتضمن ممارسة القمع بالقوة المفرطة إلى حد يؤجل ــ حتى إلى أجل غير مسمى ــ إمكان الإفلات منه. (كان فرويد يقول «قد نعرف الحق ــ أى القانون ــ بأنه قوة الجماعة، مع ذلك فإنه ليس شيئا إلا العنف» ــ من رسالة شهيرة من فرويد إلى أينشتاين كتبها بناء على اقتراح من المعهد الدولى للتعاون الثقافى فى سبتمبر 1932).

الفرق لن يكون شاسعا إذا اقترب بنا مشروع التوريث من نموذج الجابون أو نموذج كوريا الشمالية أو ما بينهما. ستبقى ثقافة اللاديمقراطية هى التى تملى على السلطة سلوكياتها (قراراتها ومواقفها وإجراءاتها). فحين نصف سلوك المحامين ضد زميلهم الذى اقتنع بوجهة النظر الأخرى ــ الغالبية الأخرى فى نقابة الصحفيين بأنه انعكاس لثقافة لا ديمقراطية فذلك لأن الثقافة الديمقراطية كان من شأنها أن تملى على المحامين المعتدين ــ بدلا من الاعتداء ــ طرح رأى الزميل المارق للمناقشة لتبيان الصواب والخطأ فى موقفه ومحاسبته عليه بطريقة ديمقراطية إذا اعتبر موقفه خروجا على لوائح نقابته.

لماذا نصف بالمثل مشروع التوريث الرئاسى، الذى يجرى إعداده فى سرية نصف تامة أو فى علنية نصف تامة، بأنه رهان على ثقافة لا ديمقراطية؟

من المؤكد أن تهمة ارتكاب عمل ينتمى إلى ثقافة لا ديمقراطية هى أقل فداحة بكثير من تهمة ارتكاب «حادث مروع» على غرار حادث المحامين والصحفيين. لقد وضعنا مشروع التوريث فى إطار الفعل المروع لأن صفة الترويع هنا تنتج عما يمكن أن يسفر عنه هذا المشروع عند وضعه موضع التنفيذ.

والأمر الذى لا شك فيه أن أصحاب مشروع التوريث يدركون أنه فعل لا يمكن ضبط نتائجه، ويستشعرون الخطر الذى يمكن أن ينجم عنه، بدليل أنهم لا يزالون ــ رغم اقتراب الساعة الحاسمة ــ يتعاملون مع المشروع وكأنه ساعة الصفر أو كلمة السر فى تحرك حربى خطير. ويدل هذا دلالة قاطعة على مدى الخشية من ردود الفعل التى سيحدثها وأن صفة «حادث مروع» لن تكون بعيدة عنه.. حتى وإن ظل هذا الوصف مقتصرا على حوادث القتل وحوادث السير حين تسفر عن سقوط ضحايا كثيرين.

ومعنى المضى فى مشروع التوريث مع وجود هذه الحسابات الأليمة أنه سيرتكب مع سبق الإصرار والترصد، وليس عن جهل أو عدم دراية مسبقة بالنتائج.

التوريث ــ بصريح العبارة وباختصار ــ ليس فقط فعلا غير ديمقراطى... أنه فعل يراهن القائمون عليه على ثقافة لا ديمقراطية. فهو يعتمد أساسا على أولئك الذين سيسلكون على نحو ما فعل محامون اعتدوا على زملاء لهم أعضاء فى نقابتهم اعتقدوا بصحة موقف الصحفيين ونقابتهم. وهذه ليست ثقافة غريبة عنهم. إنها الثقافة نفسها التى تظهر فى سلوكيات الحزب الديمقراطى فى المواسم الانتخابية، كل المواسم الانتخابية. عندئذ يتحول التوريث إلى «حادث مروع» يولد العنف ولا يملك آليات الرجوع عنه.

سمير كرم  كاتب سياسي مصري
التعليقات