دخل الدكتور محمد البرادعى مرشح الرئاسة المصرية معترك السياسة المصرية بصورة كاملة ونهائية، إما كرئيس منتخب، وإما كسياسى يملك حق مناقشة قضايا الوطن ومشكلاته وأزماته.
هذا أهم ما يمكن استنتاجه ــ من بين استنتاجات كثيرة يمكن الخروج بها من حديثه إلى جميل مطر، الذى نشرته «الشروق» فى ثلاث حلقات متوالية (من 20 إلى 22 /10/2009). وهو حديث أهم سماته، التى يدركها القارئ فورا انحيازه لمصر ككل.
فقد قال صراحة إنه إذا لم يرشح للرئاسة لسبب عائق دستورى، أو رشح ولم يفز بالرئاسة فإنه سيستمر فى استخدام مصداقيته الدولية فى مواصلة المشاركة فى النقاش حول مستقبل الوطن. ومعنى هذا أنه قرر دخول معترك الحياة السياسية المصرية.. وبالتالى فإن على من هاجموه لحساب السلطة والحزب الحاكم ألا يعتقدوا أن المعركة، التى فتحوها معه تنتهى عند بداية معركة الرئاسة فى عام 2011 أو فى نهايتها وأيا كانت هذه النهاية.
والمعنى نفسه يظهر من كلماته القليلة عن جمال مبارك ــ الذى يفترض أنه سيكون منافسا له فى معركة الرئاسة إذا تقرر التوريث بقرار نهائى من الرئيس مبارك بألا يخوض هذه المعركة. فالبرادعى يقول إنه التقى جمال مبارك خمس مرات واستمع إليه، والأهم قوله إن لمبارك الابن «آراء تختلف عن آرائى». وهذه إشارة سريعة ذكية وبالغة الدلالة على أن آراء مبارك الابن ستكون مستقبلا موضع نقد من البرادعى سواء بصفة مباشرة أو غير مباشرة. ويكفى ــ إذن ــ أن نقرأ ما يقوله د. البرادعى فى حديثه المستفيض لكى نعرف ما هى آراء مبارك الابن.. على الأقل كما عبر عنها فى لقاءاته الخمسة مع د.البرادعى، سواء فى الديمقراطية أو فى الفقر أو تدهور القيم (...)
ونستطيع أن نذهب إلى أن السياسة المصرية ــ بالتالى ــ لن تكون بعد أن دخل البرادعى الحلبة كما كانت قبلها. فهو يشكل إضافة على درجة كبيرة من الأهمية إلى الحوار الوطنى، الذى بدأ منذ أن رشحته للرئاسة قوى وتيارات مصرية يجمع بينها موقف معارض للتوريث ورغبة فى انتخابات حرة ونزيهة.
وعن هذا الحديث ينبغى أن نقول إنه ليس فقط الأول من نوعه، بل إنه يتميز بالعفوية. فهو ليس خطابا معدا كتبه له غيره كما هى الممارسة المألوفة من الرؤساء والمرشحين. إنه ــ بهذه العفوية ــ يعكس حضوره المباشر الفكرى والسياسى، ويستحضر خبرات السنين النظرية والعملية. يعبر عن فلسفته فى الحياة والسياسة والاجتماع. يضاف إلى هذا أنه جرى فى المرحلة «اللارسمية» التى لا تزال تتسم بها علاقة البرادعى بالترشيح للرئاسة. لهذا فإن الحديث يعمق فهمنا للرجل واهتماماته واتجاهاته الفكرية والسياسية.
ويدل الحديث على أن الرئاسة فى حد ذاتها ليست هم الدكتور البرادعى أو اهتمامه الأول. بل هى مشكلات مصر وأخطرها ــ فى رأيه ــ مشكلة الديمقراطية. إنه حتى لم يقترب كثيرا مما يمكن أن نسميه مشكلة الرئاسة، إنما اقترب أكثر إلى المشكلات التى تعانى منها مصر التى يعتبر أن الدستور أحد المنطلقات نحو حلها. إنه مهموم بدرجة قصوى بالمشكلة الدستورية. يطالب بدستور جديد لا تطغى فيه سلطة الرئيس، وحيث لا يستطيع مرشح مستقل أن يرشح نفسه للرئاسة. يقول: «لقد أجريت مسحا للأنظمة الدستورية (فى العالم) شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، لم أصادف ما يوجد عندنا فى مصر حيث يضع الدستور شرطين متناقضين معناهما أنه لا يمكن لأى مستقل أن يترشح فى ظروف مصر الحالية».
يخرج المرء بانطباع من هذه المعلومة بما لدى د. البرادعى من خبرة دستورية، ولا يلبث المرء أن يتساءل: أى المرشحين للرئاسة يمكن أن يجرى مسحا للأنظمة الدستورية فى العالم ليقارن مع دستور مصر؟ بل نخرج باستنتاج واضح بأننا بصدد مرشح للرئاسة يريد أن يبدأ بأن يحد من سلطاته الدستورية إذا رشح وفاز بالرئاسة. وهذا نمط نادر على أى الأحوال. إنه يفضل أن تسود الديمقراطية أولا وينتخب بعد ذلك. فالمسالة ليست مسالة استعلاء، إنها مسالة مبدأ.
والمشكلة الدستورية ليست فى سلطات الرئيس فحسب، إنما هى فى القصور فى تمثيل الأقباط والمرأة، فى تخصيص نسبة النصف للعمال والفلاحين: «لذلك كل هذه الاعتبارات يجب وضعها فى بوتقة فى إطار لجنة تأسيسية تمثل جميع الشعب من الإسلام السياسى إلى الماركسيين، ونتفق كيف تتوافر مقومات المساواة والعدالة الاجتماعية فى دستورنا».
هذا حديث رجل مصرى يدرى جيدا المكونات السياسية للتيارات الموجودة داخل الشعب المصرى. وتعبيره القائل «من الإسلام السياسى إلى الماركسيين» تعبير جامع مانع.. ويدل على رفض الاستثناء والاستبعاد.. همه الأساسى «السلام الاجتماعى لكل طائفة.. لابد أن يثق الجميع بأن حقوقهم مكفولة».
وعندما يتحدث د.البرادعى عن مشكلة القيم فإن منطلقاته هى نفسها منطلقات مواطن مصرى لم يغادر هذا البلد يوما.. «إن مصر تشرذمت، أصبحنا قبائل لا يجمعنا الكثير وإنما لابد من أن تكون هناك قيم مشتركة تحدد لماذا يكون هناك دولة اسمها مصر.. حصلت تطورات خلال الخمسين عاما الماضية أوجدت وغيبت القيم المصرية وزرعت فيها الروح القبلية. عندما انتقل إلى الشمال من العاصمة أرى كيف يعيش الناس، الذين يملكون الفيللات والحياة السهلة والبذخ المزرى والقيم التى لا تمت إلى مصر بصلة.. وعندما التفت إلى جهة أخرى اصطدم بأقصى درجات الفقر.. أصبحت القيمة الأساسية، التى تحكم مصر الآن السلطة أو المال وليس العلم».
قد يجد الناصريون فى كلام البرادعى ما يصدمهم، خاصة إذا قرأوه بسرعة، ذلك لأنه يحدد بدايات التطورات الخطرة، التى انتهت بمصر إلى ما انتهت إليه بثورة 1952. مع ذلك فإنه فيما يقول لا يختلف عما يقوله الناصريون أنفسهم من أن ثورة 52 حققت الكثير.. لكن أخطاء كثيرة وقعت. إن التروى فى قراءة ما يقول يدل على أنه لا ينكر فضل ثورة يوليو، لكنه فى الوقت نفسه ــ وهذا ما يفعله كثيرون من الناصريين ــ لا ينكر الأخطاء التى ارتكبت وساهمت فى الأوضاع الراهنة «المزرية». يقول: «نحن نسير فى الشارع ولا نرى الفقراء. فقد أصبحنا لا نرى مشكلات المجتمع الأساسية.. لقد قمنا بأشياء جيدة لكننا أخطأنا فى أشياء كثيرة».
ولا أظن أننا نخطئ فى هذه القراءة إذا اعتبرنا أن البرادعى يضع مشكلة الفقر على رأس مشكلات مصر. إنه يصف الفقر بأنه أقوى أسلحة الدمار الشامل. «42 بالمائة من الشعب المصرى لم يصل به الحظ أن يصعد إلى مستوى الفقر الموجود فى العالم، وهو أن يكون من ضمن ثلث البشرية الذين يعيشون على دولارين فى اليوم. مصر بها 42 بالمائة من سكانها يعيشون فى الفقر الذى يعيش فيه المليار الأكثر فقرا فى العالم». والفقر ــ كما يراه ليس مشكلة عاطفية تثير الحزن.. فنحن «عمليا لن نستطيع أن نسير إلى الأمام دون التغلب على الفقر.. إذا كنت أريد أن أبدأ يجب أن أبدأ بعلاج المشكلة الأساسية وهى الفقر».
لقد أوضح د.البرادعى فى هذا الحديث الخطوط العريضة لبرنامجه كمرشح للرئاسة. ولا شك أنه سيدلى حتى وقت الانتخابات فى عام 2011 بتفصيلات هذا البرنامج. لقد بدأت ــ بعبارة أخرى صريحة ــ حملة انتخابات الرئاسة.