فلسطين تلك الأرض شديدة التميز وشديدة الجدل والنزاع، هى الأرض التى تتصارع عليها الديانات السماوية الثلاث على مدار التاريخ تقاتلوا على الأرض المقدسة، وصفها اليهود بأرض الميعاد التى وعدهم بها الرب، واعتبرها المسيحيون الأرض المقدسة التى ولد فيها المسيح ونشر فيها تعاليمه ومن ثم قام منها إلى السماء، ويعتبرها المسلمون أرضا شديدة القدسية على ترابها ثالث الحرمين وأولى القبلتين وتحمل على مدار عقود الكثير من الأهمية.
تصارع على الأرض المقدسة فلسطين الكثير على مدار قرون فالفتح الإسلامى، ومن ثم الحمالات الصليبية شاهدة على النزاع بين المسلمين والمسيحيين على أرض فلسطين وخاصة بيت المقدس، القدس عند المسلمين، وأورشليم عند المسيحيين.
ولفهم طبيعة فلسطين صدر كتاب «اسمها فلسطين» للرحالة الإنجليزية الكاتبة أ. جودريتش فريير، ومن ترجمة خميلة الجندى، والصادر عن دار الرواق للنشر والتوزيع العام الماضى، والحاصل على جائزة أفضل كتاب مترجم من معرض القاهرة للكتاب فى دورته ال 56 لعام 2025.
وينتمى الكتاب لأدب الرحالات لرحلة الحج التى قامت بها الكاتبة الإنجليزية أ. جودريتش فريير إلى الأرض المقدسة «فلسطين»، كما أنها زارت الشام بشكل عام، والتى تضم بجانب فلسطين الأردن، سوريا، ولبنان، كتبت جودريش ما رأته عيناها فى رحلتها للأرض المقدسة من أحوال المدن والقرى، والناس، والديانات، والحياة الاجتماعية، والمعيشة بشكل عام.
فصلت الكاتبة ما شاهدته تفصيلا متداعيا فلقد فصلت كل تفصيلة تريد أن تتحدث عنها فى فصل منفصل عن الآخر، ولكن داخل الفصل الواحد نرى هذا النوع من التداعى الحر لأفكارها وتعليقاتها بجوار المشاهد التى رأتها.
تبدأ الكاتبة بالحديث عن العرب وتقسمهم تقسيمات معينة بين البدو، المزارعين، الفلاحين، أهل المدن، وغيرهم وتتحدث عن ملبسهم ومسكنهم ومعاشهم وحياتهم الاجتماعية والاقتصادية، ووضع المرأة عند كل فئة من تلك، وعن الزواج والدين، وكل الأشياء التى تخص العرب.
نراها تتحدث عن البدو وتصف معاشهم فى خيمهم، تصف ملبسهم ومأكلهم وحياتهم الاجتماعية، وترينا وضع المرأة وملبسها هى الأخرى، والأمور الدينية فى القبلية، وعلاقة هذا بالفكرة القبلية للعرب أنفسهم.
ونشاهد معها أيضا الحياة الزراعية فى الأرض المقدسة، وحياة المزارعين والفلاحين فيها، وأشكال الزراعة والنباتات المتواجدة، والزهور التى تشدد أن المشرقى أى العربى يحبها كثيرا، وتطرق لشكل الحياة لدى الفلاحين وطريقة لبسهم ومعاشهم ووضع المرأة لديهم، ونرى هنا اختلافا فى طريقة الحياة بين الفلاحين والبدو.
ثم تعرج فريير بنا إلى المدن وحياة أهلها وأشكال المدن والفرق بين المدن والقرى، وشكل الأسوار والأسواق والبعثات الأجنبية بها، وأشكال المستشفيات والمدارس، وغيرها من أشكال حياة المدينة والتى أسهمت فيها بطبيعة الحال البعثات الأوروبية، والحامية التركية، ونرى أيضا شكل النبلاء من طبقة الأتراك والأجانب، ووضع المرأة فى المدينة.
تذهب بنا الكاتبة بعد ذلك لجوهر رحلتها وهو الشق الدينى فى رحلتها، فهى تتحدث فى فصلين عن الحياة الدينية فى الأرض المقدسة، والتى تتواجد بها الديانات السماوية الثلاث، وترينا عاداتهم وتقاليد كل دين، وكيف يؤدونه أتباعه، وفصل آخر عن الأماكن الدينية المقدسة، وخاصة فى أورشليم «القدس»، ونعى معها أهمية أورشليم لديانات الثلاث، ونرى المعالم الدينية المهمة، فتتحدث الكاتبة عن الكنائس والأديرة وأهمها كنيستا المهد والقيامة، وأيضا تتطرق لأهمية هيكل سليمان لدى اليهود، وتتحدث عن المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة بالنسبة للمسلمين.
إن شهادة فيير هى شهادة مهمة للغاية هى شهادة تأريخية ترصد محطة مهمة من تاريخ أرض فلسطين والحياة بها والتسامح بين أهلها، وبأن هذه الأرض لها أصحابها وسكانها الأصليون، وكانوا جميعين ينعمون بالهدوء والسكينة باختلاف أديانهم وطبقاتهم الاجتماعية وأشكال حياتهم، إن هذه الوثيقة هى ضرب وهدم لمقولة «أرض بلا شعب.. لشعب بلا أرض».