أحمد الديب يكتب: رمضان كريم من البُعد إكس - بوابة الشروق
السبت 5 أبريل 2025 9:06 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

أحمد الديب يكتب: رمضان كريم من البُعد إكس

أحمد الديب.. تصوير زياد أحمد
أحمد الديب.. تصوير زياد أحمد

نشر في: الجمعة 8 مايو 2020 - 8:37 م | آخر تحديث: الجمعة 8 مايو 2020 - 8:37 م

رمضان كريم: مبتدأ وخبر. ركنا الجملة الاسمية اللذين يقبل أحدهما فقط التصديق أو التكذيب. نحن اليوم فى عالم يزاحمنا فيه ألف ألف ألف مبتدأ، لكننا لا نصادف الخبر الصادق إلا فيما ندر. ورغم أن الخبر لا يثبُت حول قصة مَن قال «رمضان كريم» لأول مرة، إلا إننا نعرف فى قلوبنا أن رمضان صدقا كريم. يقال أن أول مَن قالها كان المعز لدين الله الفاطمى حين دخل مصر فوجد معيشة أهلها ضنكا، وحين سأله الناس أن يعطيهم أجابهم بالعبارة التى كُتب لها الخلود.
رمضان كريم، وأنا شخصيا أصدق ذلك منذ الطفولة. كان رمضان يأتى فى الدراسة، ولم أكن أعرف حينها مَن صار بعد ذلك من أقرب الكُتَاب إلى قلبى، الأمريكى هوارد فيليبس لافكرافت، الذى يقول فى قصيدته (من النسيان):

«ليسَ مِن رعبٍ
يتجاوزُ فى فظاعته
العذابَ اليوميَ
للحياة المألوفة».

ولقد عرفتُ بعد ذلك أصنافا من الرعب، لكن لافكرافت أثبت لى مرارا مدى صدق خبره هذا. منذ أيام الطفولة وحياة الدراسة لا تُحتمَل. وحتى الإجازة الصيفية لم تكن تبدو لى أكثر من عَدَاد تنازلى سريع لعودة الدراسة. كانت الإجازة تأتى فى مواعيدها المحددة مسبقا، لأقضيها فى اتباع نظام آخر مُعَد بدوره «للاستفادة» من أيام الصيف. نظام محكم من الرتابة الفظيعة يسرق بلا رحمة أجمل أيام العمر. وهنا، حين يبدو أن هذا النظام قد استحوذ على وجوه الحياة كلها، كان يأتى رمضان.
من تمام كرم رمضان أنه لم يكن يعلن عن موعد قدومه بالضبط إلا قبل يومٍ أو يومين، فيترك لنا حينها بعض ما افتقدناه من مشاعر الترقب. يستطيع رمضان أن يأتى فى الصيف وفى الشتاء، فى الإجازة أو فى قلب موسم الامتحانات. لكنه حين يأتى ــ وهذا هو الأهم ــ كان يهدم بيديه الكريمتين كل قواعد النظام الذى يحاول التهام أعمارنا.
فى صباحات الدراسة كان نظام الرتابة هذا يسمح للأطفال بمشاهدة فقرة كارتون فى برنامج صباح الخير يا مصر. فقرة لم تكن تتجاوز ــ وفق تقديرى حينها على الأقل ــ الدقيقتين، ثم يقرر السيد المسئول عن الفقرة أن يقطع الكارتون فى ذروة أحداثه، فقط لأن الوقت قد حان لهؤلاء الصغار الأشقياء أن يستعدوا للذهاب إلى المدرسة. أى عذاب جحيمى يا صديقى لافكرافت! والأدهى أننا كنا نصبر على إعادة فيلم الكارتون الواحد لعشرات المرات، مع أمل أحمق ــ كل مرة ــ فى أن يرحمنا السيد المسئول ويترك الكارتون لبضع ثوانٍ أخرى فقط. كان هذا الشيطان قادرا طوال الوقت على أن يجزئ لنا الفيلم على يومين أو ثلاثة، يبدأ من حيث انتهى فى اليوم السابق. لكنه لم يحدث قط، ولم ننسَ قط.
كان هذا هو الوضع قبل أن يتدخل رمضان الكريم ذات سنة بعيدة ليهدينا لأول مرة ــ وفى أجمل لحظات يومه الجديد كليا الذى يبدأ، أو ينتهى، بالإفطار ــ كارتون سلاحف النينجا. حلقات كاملة هذه المرة وبالترتيب، وعوالم من خيال جامح تجذبنى معها ــ حتى اليوم، يجب أن أعترف ــ وتسلبنى القدرة على الرمش بعينى كى لا تفوتنى تفصيلة واحدة، حتى من المقدمة التى كان الصوت الساحر فيها ــ استنتجتُ أخيرا أنه كان صوت طارق نور ولا بد ــ بأسماء أبطالى الجدد، بينما يتقافز ليوناردو ومايكل أنجلو ورفاييل ــ كان حينها يُنطَق رفايللو ــ ودوناتيللو فى الهواء فى تحدٍ صريح لقوانين الجاذبية الأرضية، ويتراجع سبلنتر ــ كان اسمه حينها المعلم رشدان ــ إلى الوراء فى ذعر وهو ينمسخ بالتدريج إلى جرذ، فى حين يشق شريدر ــ الذى كان يملك اسما عربيا فريدا هو فَرَام ــ بالنصال المخيفة فوق ساعديه ذلك الستار المظلم على الشاشة. الستار الأخير الذى كان يقف بيننا وبين السقوط الحر فى تلك الدوامة السحرية التى انفتحت ــ ذات ليلة من رمضان قديم كريم ــ بين عالمنا الرتيب وبين البُعد إكس، حيث تتزاحم عوالم الخيال الجميلة المدهشة بلا نهاية وبلا حدود، وتخبرنا عن حياتنا الحقيقية ما لا يتصوره واقعنا الذى يرزح تحت جحيم الرتابة.
فى رمضان اختلَت دائما مواعيد النوم ومواعيد الاستيقاظ، وأسبابه، ومواعيد اليوم كله وإيقاعه. كانت الدنيا كلها فى الدقائق الأخيرة قبل أذان المغرب تبدو كلمحةٍ من عالم خالٍ فسيح عتيق لم نعرفه رغم كل ما يتركه فى قلوبنا من الوجيب والحنين. حتى البيض المسلوق على السحور كان له طعم يختلف بالكلية عن طعم بيض إفطار ما قبل المدرسة، الذى كان يُسلق ــ على ما يبدو ــ فى القليل من الماء والكثير من القلق.
كانت أيام رمضان المعدودات تنقضى دائما بسرعةٍ تليق بمرور أهل الكرم. لكنها ــكما يليق بآثار أهل الكرم ــ لم تكن حقا تمضى. كان رمضان يكرر زيارته كل عام هازئا من نظام الرتابة، ومقوِضا لأركانه، وكاشفا لنفوسنا الطفلة عن لمحاتٍ من عالم جديد ممكن رغم كل شىء، ومانحا لقلوبنا ــ التى لم تكن الرتابة قد كلَسَت كل جدرانها بعد ــ لحظات من السعادة الصافية، وجواهر من ذكريات ستعيش فينا أبدا، وستُذكِرنا ربما ــ حين يُخيَل إلينا أن الدنيا كلها قد أجدبَت ــ بأن رمضان الكريم آتٍ وإن طال الانتظار، وبأن الله ــ دائما وأبدا ــ أكرم.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك