الرئيس والأنبوبة - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 4:07 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

الرئيس والأنبوبة

نشر فى : الخميس 2 فبراير 2012 - 9:15 ص | آخر تحديث : الخميس 2 فبراير 2012 - 9:15 ص

لم أدرِ هل أضحك أم أبكى وأنا أشاهد الحلقة التى استضاف فيها مجدى الجلاد يوم 24 يناير الماضى على محطة CBC أحد المرشحين لرئاسة الجمهورية هو السيد عمرو موسى. سبق الحوار مع مرشح الرئاسة تقرير إخبارى من مسقط رأسه فى قرية بهادة مركز القناطر الخيرية بمحافظة القليوبية. وتخللته لقاءات مع أهالى القرية لمعرفة كيف ينظرون إلى ابن قريتهم الذى يترشح للرئاسة وما الذى يطلبونه منه على وجه التحديد. قالت شابة ريفية مليحة الوجه إنها تريد منه أن « يشوف حركة الغاز والبنزين ويبنى لنا مدرسة ابتدائى «. وتلعثمت امرأة تقطر ملامحها طيبة وهى تقول إنها تريد من موسى أن يعمل « اللى ربنا يقدره عليه، يعمل لنا اللى هو عاوزه، يجيب لنا أنابيب، كل حاجة محتاجينها يعملها لنا «. يالله ! هل أبكى لأن أقصى ما يريده أهل القرية هو أنبوبة بوتاجاز، أم أبتسم لأن هؤلاء الناس البسطاء يعتبرون أن واحدة من مهام رئيس الجمهورية هى أن يوفر لهم أنابيب البوتاجاز؟ لم أبتسم، تذكرت واقعة مشابهة كنت شاهدة عليها قبل ثلاثة أعوام عندما كان يدور نقاش حاد حول أسباب تعثر المفاوضات مع إسرائيل ففاجأ الحضور أحد القادة الفلسطنيين قائلا إن المواطن العادى فى غزة لا ينشغل فعليا بمصير تلك المفاوضات، لكنه ينشغل أكثر بكيفية الحصول على أنبوبة بوتاجاز. هكذا ارتقت أنبوبة البوتاجاز لتصير على رأس مطالب الشعب المطحون وتقدم موقعها حتى على قضية تحرير الأرض، وهذا معنى لا يدعو للابتسام بالمرة.

 

●●●

 

عندما كان المرشحون للانتخابات البرلمانية وما يزالون يحشون برامجهم بوعود تتعلق بشق ترع أو تمهيد طرق أو بناء مدارس، كانت أصواتنا تُبحّ ونحن نقول إن فى هذا خلطا بين مهمة عضو المجلس المحلى وعضو مجلس الشعب، وإن النائب البرلمانى صحيح تنتخبه دائرته لكنه يمثل مصر كلها. وبالتالى فليس من المفترض أن يسعى للتوسط لدى هذا الوزير أو ذاك من أجل توظيف أحد أبناء دائرته أو توفير وحدة صحية فيها، لكن المطلوب منه أن يثير تحت قبة البرلمان قضايا تتعلق بالبطالة وتدنى الخدمات الصحية، ويقدم الأسئلة والاستجوابات للوزير المختص. كنا نقول ذلك ولكن كانت وما تزال لا حياة لمن تنادى، وظلت الخدمات هى الطريق التى تصل بالمرشح إلى مقعد فى البرلمان،لكن الجديد الذى كشفه برنامج مجدى الجلاد هو أن هذه الظاهرة أصبحت هى الطريق إلى مقعد الرئيس نفسه. لقد لعبت أزمة أنابيب البوتاجاز الأخيرة على وجه التحديد دورا أساسيا فى كسب مرشحى التيار الدينى أصوات المواطنين الفقراء. اشترى بعض هؤلاء المرشحين الأنابيب من المستودعات وقاموا بتوزيعها بسعرها الرسمى على المواطنين. فشلت الدولة فى تأمين بيع الأنابيب عن طريق منافذها الرسمية، واستكانت إلى قيام الجماعات الدينية ذات الأذرع السياسية بدور الوسيط بينها وبين المواطنين. وقد سبق لها من قبل أن وسطت المشايخ فى حل الأزمات الطائفية، فليس إذن من جديدٍ فى الأمر.

 

عندما تطالب نساء قرية بهادة برئيس للجمهورية يوفر لهن أنابيب بوتاجاز فإن هذا مرده عدم وجود مجالس محلية تنوب عن الرئيس وعن أعضاء البرلمان فى حمل هذا العبء وكل الأعباء الأخرى المشابهة. والحق أن حل المجالس المحلية كان مطلبا أساسيا من مطالب الثوار باعتبارها معقلا من معاقل نفوذ النظام القديم وقادرة على التأثير لصالحه فى أثناء الجولات المتتالية للانتخابات التشريعية الأخيرة. ثم إن تلك المجالس كانت بؤرة أساسية من بؤر الفساد السياسى إلى الحد الذى حمل القيادى الإخوانى أحمد أبو بركة على تعميم مخل من نوع أن 50.000 عضوا بتلك المجالس يتصفون باللصوصية، هكذا دفعة واحدة. لكن على صعيد آخر، وبعد أن كان بعض الأصوات ارتفع للمطالبة بتحديد موعد لانتخاب المجالس المحلية الجديدة سكت الجميع عن الأمر فلم نعد نسمع عنه قط، لا من المتنافسين على مقاعد البرلمان ولا من المنشغلين بمقعد الرئيس ولا حتى من قوى المعارضة السياسية على اختلاف أطيافها. أيهما أجدى: أن نُجرى انتخابات محلية لأنها أكثر إلحاحا على ضوء تهالك البنية التحتية وتوالى الأزمات المعيشية التى تحاصر الأغلبية الساحقة من المواطنين المصريين؟ أم ننظم انتخابات مجلس الشورى وهو مجلس زائد عن الحاجة ومعرض للإلغاء فى الدستور الجديد؟ المضحك المبكى أننا نختار انتخابات الشورى فيما لا يبدو أحد متحمسا لها إلا الإعلان الدستورى، وهل أشد دلالة على عدم المبالاة بتلك الانتخابات من خلو سماء مصر من لافتات مرشحى الشورى عدا استثناءات يتيمة فى هذا الحى أو ذاك؟ بل هل من جدية لانتخابات الشورى التى تقسم فيها العاصمة إلى دائرتين اثنتين فقط بحيث يفترض أن ينوب الفائز عن نصف القاهرة ذات ال 7.8 مليون نسمة؟ لم يهتم المرشحون ولا الإدارة فكان طبيعيا أن يعاقب الناخبون الطرفين معا. أحاول أن أطرد من ذهنى شبح تجربة الثورة الإيرانية التى أُجريت فيها أول انتخابات تشريعية عام 1980 أى فى العام التالى على قيام ثورة 1979. بينما أجريت فيها أول انتخابات محلية عام 1999 أى بعد عشرين سنة كاملة على الثورة. أحاول أن أتجنب هذه المقارنة لأن مصر ليست إيران، والأهم أنه لا يعقل للنظام المنبثق عن ثورة طالبت بالعيش والعدالة الاجتماعية أن يتعالى على تلك المطالب بإرجائها إلى أجل غير معلوم.

 

●●●

 

مطلوب من كل القوى التى تتصارع على أيهما تكون له الأولوية: الاستفتاء على الدستور أم التصويت على رئيس الجمهورية أن تفسح صدرها وأن توسع من أجنداتها (بالمعنى الحرفى للكلمة) حيزا لإجراء أول انتخابات محلية بعد الثورة. فهذا وحده هو الكفيل بالانتقال بالعلاقة بين الناخب والنائب البرلمانى (دع عنك علاقته برئيس الجمهورية) من كونها علاقة بين زبون وبائع خدمات، إلى كونها علاقة بين مواطن يتنازل عن جزء من سيادته لشخص ينوب عنه فى ممارستها. وهذا هو المعنى الذى حدثنا عنه جون جاك روسو فى القرن الثامن عشر عندما استخدم مصطلح الإرادة العامة. وبالتوازى مع تنظيم الانتخابات المحلية مطلوب إعادة هيكلة الجهاز الإدارى للمحليات على مستوى مجالس المدن والأحياء التى مازال يغلب على تكوينها العنصران الشُرطى والعسكرى. إذ أن من المفارقة أننا لا نطالب بإعادة هيكلة مجالس المدن والأحياء لتأكيد طابعها المدنى بينما لا نكف عن المطالبة بوزيرين مدنيين للدفاع والداخلية، وتلك نظرة جزئية للقضية برمتها. من دون الإجراءات السابقة التى تعيد الاعتبار للسياسة المحلية بوصفها البوابة الطبيعية للسياسة العامة فسوف تظل نساء قرى مصر ورجالها يحلمون برئيس للجمهورية مهمته الأولى أن يحل مشكلة أنابيب البوتاجاز، يستوى فى ذلك أن يكون الرئيس الموعود فى جمهورية برلمانية أم رئاسية أم مختلطة، فشكل النظام لا يعنيهم كثيرا طالما هو لا يؤثر على خدمة توصيل الأنابيب.

 

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات