تمثل « عبقرية الشر» العمل الروائى الأول للأديب الشاب أحمد عبد العليم. لنتذكر هذا الإسم جيدا لأن صاحبه يفسح لنفسه بدأب شديد مكانا معتبرا على الساحة الأدبية. صعب جدا أن تُزهر الساحة الأدبية فى هذا الوقت الذى يزحف فيه التصحر على الإبداع وتتحول قصور الثقافة من حواضن لأصحاب الذائقة الفنية إلى منابر لشيوخ الدعوة. ومن هنا تأتى أهمية التجربة الروائية للكاتب.
الفكرة التى تُبنى عليها الرواية أن أى إنجاز ليس حمّال خير بالضرورة، فمنه قد تنبثق شرور كثيرة. والإنجاز الذى تحكى عنه الرواية هو انتصار أكتوبر 1973 الذى استرد لمصر جزءا من أرضها، لكنه لم يغير شيئا من أحوال البلدة مسرح أحداث الرواية على امتداد الفترة الزمنية التى يسلط عليها الكاتب الضوء وتلك هى الممتدة بين عامى 1977 و1981. لم يتغير حال البلدة التى لم يُسمها الكاتب لأن الناس ظلوا على فقرهم وبؤسهم وعبوسهم، كما أن الفرعون أيضا ظل على جبروته وانتهازيته وعنفوانه. وفرعون البلدة هو حمزة، التاجر الوحيد فيها، الذى يشترى من الناس كل شئ لأنهم يضطرون لبيع كل شيء مقابل المال، ثم يعودون فيشترون بالمال بضاعة مغشوشة من حمزة.
•••
وكما أن الانتصار العسكرى إنجاز فالثورة هى باليقين إنجاز. وهنا يتجلى بوضوح الإسقاط السياسى للكاتب، فمثلما انتهى انتصار أكتوبر بجملة من السياسات التى أفقرت الشعب وأخضعته عبر انفتاح اقتصادى أهوج وديمقراطية ذات أنياب، كذلك فإن تجاهل ثورة يناير شعاراتها المبدئية ينذر بالنتيجة نفسها وكأنه لا شئ جديدا تحت الشمس.
وحتى يكتمل الإسقاط السياسى لأكتوبر 1973 على يناير 2011، يرصد الكاتب صعود التيار الدينى السلفى بالأساس كجزء من التغير فى المشهد الاجتماعى المصرى. لكن لأن بدايات هذا الصعود ترجع إلى نكسة 1967 وليس إلى نصر أكتوبر مزج الكاتب بين الخاص والعام، وجعل التغير فى سلوك بطل الرواية خالد هو المنبئ عن التمدد الجغرافى للسلفية الدينية. كان خالد يساريا ماركسيا كما كان كثير من أبناء جيله، وقد صمدت قناعاته الماركسية حين مات الأب ولحقته الأم، حتى إذا مات أخوه وتوأم روحه رضوان أدار خالد ظهره لليسار فأحرق كتبه القديمة، وأقبل على كتب الدين يشتريها ويقرأها ويفسرها لنفسه وللآخرين. أكثر من ذلك اختلفت علاقة خالد مع كل من حوله من لحظة اختفاء أخيه. اختلفت مع الغازية آمال التى عاشرها سنين فى الحرام وظل يخشى منافسة ذكر آخر فى حبها، فإذا هو بعد رضوان يتزوجها وقد اشترط عليها النقاب. اختلفت علاقته أيضا مع خاله حمزة التاجر الجشع فلم يعد يعمل معه فى تجارته لكن من دون أن يقاطعه أو يجافيه. واختلفت طبعا مع الشيخ محمد الذى عانده ذات يوم وأبى ألا يحفظ القرآن على يديه وترك الكتاب بسببه، حتى إذا رحل رضوان أصبح الشيخ صديق خالد الصدوق.
•••
فى رواية أحمد عبد العليم الخير والشر توأمان أحدهما من الآخر، فالحلم والحب والزواج والسفر والوحدة كلهم شر، أو الأدق أن الشر كان يختفى وراءهم جميعا، لا يُستثنى من ذلك نصر عسكرى أو ثورة شعبية. وتلك فكرة مهمة تميز بين لحظة الانتصار أو الثورة وبين عملية توطيد الانتصار أو توطين الثورة من خلال مجموعة من السياسات الرشيدة، وإذا كانت اللحظة تمر فإن العملية تستمر.
•••
لكن مع قدرة الكاتب العالية على الغوص داخل شخصيات روايته، بدا لى سلوك بعضها غير متسق منطقيا مع بنائها النفسى. لم يقنعنى مثلا أن يمر خبر وصول السادات للقدس مرور الكرام على خالد وهو جالس يتسامر على المقهى مع صديقه أيمن حول علاقة الأخير مع زوجته، فزيارة إسرائيل كانت تصطدم حتما بالتكوين الفكرى الماركسى العروبى المميز لخالد، بل هى كانت تزلزله. لم يقنعنى أيضا إقدام الشيخ محمد الداعية الوسطى على قتل حمزة وإشباعه طعنا بسكين حادة، فحتى لو كان الشيخ يعتبر أن كل شرور القرية تتجسد فى حمزة فإن طبيعة شخصيته لا تجعله يقتل. حمزة فى الرواية هو السادات فى الحقيقة، والاثنان رمزان للانحراف بنصر أكتوبر، لكن البيئة التى أنبتت خالد الإسلامبولى غير التى خرج منها الشيخ محمد، كما أن التكوين النفسى للشخصيتين مختلف.
أما أسلوب الكاتب فهو شديد السلاسة، ينتقل بالقارئ بين ضمير المتكلم وضمير الغائب حسب طبيعة الموقف، فكان تعبير خالد بضمير المتكلم عن مشاعره الصادقة وهو يمشى فى جنازة أخيه أو جنازته هو شخصيا كما قال شديد الرقى بالغ التأثير. لكن الانتقال الفجائى وربما غير المبرر فى بعض الأحيان من ضمير لآخر أحدث قطيعة شعورية لحظية بين القارئ وبعض أشخاص الرواية.
•••
تحية للتجربة الروائية الأولى للأديب الشاب أحمد عبد العليم، فمثل هذه التجربة هى أول الغيث فى المزج بين الحس الأدبى والتحليل السياسى فى مقاربة متميزة لجدلية العلاقة بين الخير والشر من حولنا.