فى واحدة من المحاضرات للسنة الرابعة بكلية الاقتصاد قُمت بتوزيع ورقة على طلبتى ودعوتهم إلى تدوين رغباتهم بشأن النظم العربية التى يريدون دراستها حتى أشركهم فى اختيار المادة التى يتلقونها فتكون أيسر على أفهامهم وأقرب إلى اهتماماتهم. لم أكن أقصد أن يسجل كل منهم اسمه إلى جانب اختياره الشخصى، فالأمر لم يكن يتعلق بتتبع َمن منهم يريد ماذا لكنه كان يتعلق بالتعرف على اتجاهات الطلاب فيما يخص أنواع النظم العربية التى يشعرون فعلا أنهم بحاجة إلى دراستها.
ومع ذلك تطوعت أغلبية الطلاب بتدوين أسمائها إلى جانب اختياراتها، فيما اكتفت قلة منهم بتسجيل رغباتها دون تعريف بذواتها. إلى هنا وليس ثمة ما يثير الانتباه، لكن مطالعة الأسماء نفسها كانت هى مربط الفرس.
اتخذ تدوين الأسماء شكلا غلب عليه الاصطفاف الدينى، بمعنى أن كل عشرة أو عشرين اسما من نوع فاطمة ومصطفى وخالد كان يقطعها اسمان لساندرا ومارى مثلا، وهى ظاهرة تكررت بشكل ملحوظ على نحو لفتنى إلى بعد جديد من أبعاد الاصطفاف خلف أسوار الجامعة.
فالظاهرة تؤشر إلى فرز علاقات الطلاب على أساس دينى، فلا يجلس الطالب المسيحى إلا مجاورا طالبا آخر من الدين نفسه وبالتالى يظهر اسماهما متتاليان على الورق، والعكس صحيح بالنسبة للطلاب المسلمين. لا أريد أن أبالغ فأقول إن النظم التى كان الطلاب يفضلون دراستها كانت تتطابق أيضا مع طبيعة الانتماء الدينى، فربما تعلقت الاختيارات بعوامل لا دخل لها البتة بمسألة الدين، مع أنه من الناحية الفعلية كان ثمة توافق كبير فيما بين اختيارات الطلاب المسيحيين.
لم يختر طالب مسيحى ممن دونوا أسماءهم نموذجين بخلاف العراق ولبنان حيث التنوع أكثر وحيث إدارة هذا التنوع أصعب وحيث المستقبل المجهول محفوف بمخاطر لا حد لها. أفرغ طلابى المسيحيون هواجسهم على الورق مع أن مصر بإذن الله لن تكون أبدا كالعراق أو لبنان ما ظل فيها عقلاء يعون ويحذرون ويعملون على رأب الصدع سرا وعلانية.
أخذنى توزيع الأسماء بعيدا جدا عن الهدف الأصلى من وراء قراءتها. فأن لا يجلس المسلم إلا إلى جوار مسلم، والمسيحى إلا إلى جوار مسيحى فهذا يضيف خطا جديدا للانقسام بين الطلاب داخل مدرجات الجامعة. المدرج هو صورة مصغرة للمجتمع ولذلك فإن خريطته تعكس كل ما يمر بالوطن من تحولات.
فى السبعينيات نشطت الجماعات الإسلامية داخل حرم الجامعة وبالتالى بدأ الفصل تدريجيا بين الذكور والإناث ليجلس كل فريق على جانب أو فى صف واحد على الجانب نفسه، بالطبع لم يكن الفصل تاما بحكم التزاحم والأعداد الكبيرة لكنه بدا ملحوظا على أى حال.
ثم فى منتصف التسعينيات ومع نشأة أقسام بكل كلية للتدريس باللغات الأجنبية فضلا عن اللغة العربية التى هى الأصل تقوقعت كل مجموعة من الطلاب على زملائها فى القسم. وأصبح اختيار المقعد الذى يجلس عليه الطالب يخضع لمعيار مركب تجتمع فيه الذكورة أو الأنوثة مع لغة الدراسة. وقد كتبت ذات مرة كيف رفضت بإصرار إحدى طالبات القسم الإنجليزى بكلية الاقتصاد أن تشترك فى بحث مع زميلتها من القسم العربى لأنها لا تعرفها، ولنضع ألف خط تحت عبارة لا تعرفها.
إذن بدأ فرز الطلاب على أساس النوع، ثم جاء فرزهم على أساس الطبقة، وها هو الشحن المجتمعى يُفضى إلى فرزهم الثالث على أساس الدين وهو أخطر أنواع الفرز. إن سقف التسامح مع اختلاف أوجده الاقتصاد أو فرضته الطبيعة أعلى بكثير من نظيره فى حالة الاختلاف حول المطلقات التى هى صفة أصيلة فى كل الأديان والمعتقدات. وفى المظاهرات الحاشدة والمتتابعة والغاضبة بسبب قضايا تخص الدين من الجانبين خير دليل. ولذلك فإننا إذا تساهلنا اليوم مع التمييز بين الطلاب على أساس الدين داخل مدرجات الجامعة سيكون علينا غدا أن نتقبل مزيدا من تشرذمهم إلى مذاهب دينية بل إلى تيارات فكرية داخل كل مذهب ليكون هذا هو فرزهم الرابع، وربما ليس الأخير هذا إن تبقى شىء للمفاضلة والتمييز بين طلاب السنة الواحدة.
ليكن من الآن فصاعدا كل تكليف دراسى وكل نشاط طلابى مجالا لتقاطع الاختلافات الطبقية والدينية يشتركُ فيه الشبان والشابات على حد سواء ولنعد ترتيب جلوس الطلاب بشكل عشوائى، فلا بد من كسر حاجز الجليد داخل مدرجات الجامعة، وهذا إجراء متأخر وغير كاف وتقاومه عشرات الإجراءات المضادة، لكن هذه المعركة بالتحديد تحتاج إلى اقتناع وصبر ومثابرة، فلا أظن أن أستاذا مخلصا يقبل أن يكون شاهدا على أجيال تعيش فى جزر متباعدة وتضمها أمصار التعصب والفتنة مع أن الاسم أن مصرنا واحدة. إنها دعوة عامة وإن يكن منشأها الجامعة.