أصبح إهدار قواعد اللغة العربية من حقائق الحياة اليومية التى يحاول البعض تعويدنا عليها. حقيقة ألمسها بوضوح فى أوراق إجابات طلابى فأتعامل معها بصرامة مع أن قواعد التصحيح لا تقضى بمعاقبة من يسكبون على الورق المادة المحفوظة بلغة عربية رديئة. وكذلك أصادفها فى الغالبية الساحقة من الرسائل الجامعية فأصر على إثارتها مع أن أكثر تلك الرسائل أجازه مصححون لغويون. فى تعليل هذه الظاهرة الكارثية تبرز حجج ثلاث: الأولى أن المضمون أهم بكثير من الشكل. والثانية أن لغتنا الجميلة لم تعد من بين مسوغات تعيين الخريجين الجدد.
والثالثة أن التعليم الأجنبى يشوه لغة طلابه. والحجج الثلاث متهافتة، فاللغة هى وعاء الفكر والفكر المشوه تنطق به لغة مشوهة، والانسياق وراء شروط السوق يعنى أن يختفى على المدى الطويل المنتَج الثقافى العربى لأنه لن يكون عليه طلب، أما أن التعليم الأجنبى يشوه اللغة العربية لدارسيه فلا رد عليه أبلغ من أن طه حسين عميد الأدب العربى حامل الدكتوراه من فرنسا، وأن لويس عوض صاحب «مقدمة فى فقه اللغة العربية» حامل الدكتوراه من أمريكا، وأن بين حسين وعوض عشرات من أمثال رشاد رشدى، ورضوى عاشور، وسهير القلماوى، ومرسى سعد الدين ممن تلقوا تعليما أجنبيا وأبدعوا فى الكتابة باللغة العربية.
لذلك فعندما كتب فهمى هويدى مقالا عن إهدار قواعد اللغة العربية فى مهنة الصحافة كان عنوانه «لابد أن تكون محترما أولا» ونشرته جريدة الشروق فى 15من يوليو الماضى، وقع المقال من نفسى موقعا حسنا جدا. ثم حدثت واقعة دفعتنى لإثارة الموضوع مجددا وأكدت ضرورة أن تكون حماية اللغة العربية قضية رأى عام. فى الأسبوع الماضى قُمت بزيارة متحف النسيج فى شارع المعز لدين الله الفاطمى، والمتحف هو أحدث آثار القاهرة الفاطمية التى رممتها وزارة الثقافة، وتم افتتاحه رسميا بواسطة حرم رئيس الجمهورية فى 13 فبراير الماضى.
مشروع ترميم الآثار الإسلامية استُثمر فيه مال ضخم، وأعاد الاعتبار لكنوز شارع من أهم شوارع مصر القديمة بمساجده وأسبلته وبيوته وبواباته ومدارسه بعدما اختفت سنين طويلة خلف التجاهل والإهمال، وفى المشروع سقط عرق كثير وأيضا أشخاص فاسدون. أما متحف النسيج فحدث ولا حرج، فهو أول متحف عالمى متخصص يعرض فن النسيج، تتوزع معروضاته على طابقين ينظران لتاريخ مصر بمراحله المختلفة من العصر الفرعونى إلى العصر العثمانى من زاوية محددة هى: تطور صناعة النسيج.
عمل هذا شأنه لا يمكن ولا يصح أن يكون فى لوحاته الشارحة خطأ نحوى واحد، ومع ذلك فاللوحات حافلة بأخطائها. اقرأ معى على سبيل المثال فى اللوحة الخاصة بكسوة الكعبة الشريفة ما يلى: «وتشمل كسوة الكعبة أيضا على»، «ستائر من نفس اللون»، «ثمانى ستائر»، هكذا توجد ثلاثة أخطاء نحوية فى ثلاثة وعشرين سطرا عن ماذا؟ عن كسوة الكعبة الشريفة! ولمن يريد الاطلاع على المزيد من الأخطاء فعليه مراجعة لوحات مثل: لوحة الانقسامات السياسية والتواصل الثقافى، ولوحة عالم الدول العباسية المتلألئ ففيها أخطاء فادحة كما فى القول «ببناء عدد آخر منها، وورث أبناؤه الحكم من بعده».
فى السنة الثانية بكليات الحقوق يدرس الطلاب فى مادة القانون الجنائى نظرية الظروف المشدِدة، وهى النظرية التى تتيح للقاضى تغليظ العقوبة إذا توافرت ملابسات معينة، فهل يوجد مبرر للتشدد فى المؤاخذة أكثر من عمل تشرف عليه وزارة الثقافة ويراه العالم كله ويموله دافع الضرائب المصرى؟ رجاء إما أن تصححوا الأخطاء فى كل اللوحات الشارحة وإما أن تتركوا قطع النسيج الخالدة تحكى عن نفسها دون وسيط.