أربعة أيام تفصلنا عن موعد الاستفتاء على دستور 2012 المعدل، وهذا الموعد بالغ الأهمية لأنه سيحدد ما إذا كنا سننتقل خطوة للأمام فى تنفيذ خارطة الطريق أم سندور فى حلقة مفرغة بالعودة لدستور 1971 مع تعديلات عام 2011. ثم أن الاستفتاء فى حال إقرار الدستور سيجعل للشرعية الشعبية ظهيرها الدستورى ويفقد التحالفات التى تشكلت باسم الشرعية كل سند ومضمون. وأخيرا فإن إنجاز الاستفتاء سيوضح ما إذا كانت قدرة الدولة على تأمين احتفالات عيد الميلاد تمثل ظرفا استثنائيا عابرا أم تطورا ممتدا ينبئ بالاستعداد لتأمين كل الاستحقاقات السياسية المقبلة. ونلاحظ فى هذا السياق أن قطاعا من المواطنين قرر إرجاء التصويت إلى اليوم الثانى حتى إذا أمن بلطجة الإخوان ذهب وأدلى برأيه، وإن لم يأمن امتنع وفى هذا خصم من نسبة المشاركة. مصر تنتظر موعد الاستفتاء ومن حولها دول أخرى كثيرة فى الإقليم تنتظر وتراقب لتحدد سياساتها تجاه النظام السياسى للثلاثين من يونيو.
ومع أن المدة المتبقية حتى صباح الثلاثاء 14 يناير هى مدة قصيرة للغاية لإحداث تغير نوعى فى البيئة الداخلية، إلا أنه ما زالت هناك فرصة للعمل على تحسين ظروف تلك البيئة التى أركز فيها على ترشيد دور الإعلام. لقد خاض هذا الإعلام على مدار الأسبوعين الماضيين معركتين أساسيتين، أولاهما ارتبطت بتنقية قائمة الجهات المشرفة على الاستفتاء من الجمعيات التابعة للإخوان، وهى مسألة بدت ضرورية لمنع التأثير على مخرجات الاستفتاء، وفضلا عن ذلك فإنها بدت منطقية لكون الإخوان ومن والأهم لا يعترفون بشرعية 30 يونيو وما ترتب عليها من آثار وبالتالى فإن هذا لا يجعل لهم الحق فى الرقابة على خطواتها. أما المعركة الثانية فقد ارتبطت بحل مشكلة تصويت المغتربين والتى كانت كفيلة بإهدار أصوات ملايين المصريين فى قضية بالغة الحيوية بالنسبة لمسار التطور الديمقراطى. ومع أن إثارة دور الإعلام فى هذا المقال لا تنفى أهمية تكثيف مؤتمرات التوعية بالدستور التى جاءت متأخرة ثم تسارعت وتيرتها فى الأيام القليلة الماضية وشهدت تنسيقا محدودا بين الأحزاب والقوى السياسية، أقول مع أن الإعلام ليس بديلا عن دور الأحزاب فى التوعية السياسية إلا أن النطاق الذى يمتد إليه الإعلام أوسع بكثير من نطاق التأثير الحزبى بتنويعاته المختلفة.
•••
حتى يحين موعد الاستفتاء أتمنى أن يتوسع الإعلام فى التركيز على أربع أو خمس قضايا من تلك التى تخلط فيها الدعاية المغرضة الحق بالباطل، ويدير نقاشا حولها بين مختلف الاتجاهات بما يوضح الصورة وفى الوقت نفسه يطمئن المشاهد إلى أن الرسالة ليست موجهة للتصويت بنعم. فمن الملاحظ أن بعض برامج التوك شو شرعت منذ أيام فى شرح أبواب الدستور الواحد منها تلو الآخر، وهذا جهد محمود يدخل فى باب التثقيف السياسى لكن أخشى أن يؤدى الاستطراد فى التفاصيل إلى التقليل من أهمية القضايا الجوهرية المثارة. وكمثال فإن الباب الخاص بنظام الحكم يحوى 120 مادة موزعة على أحد عشر فصلا، وبه الكثير من التفاصيل التى يصعب الإلمام بها من قبل غير المتخصص بل هو لا يحتاج إليها أصلا. لكن المهم بالنسبة له هو أن يعرف هل حقا يخلق الدستور الجديد فرعونا آخر كما يقال؟ هل يقلل من صلاحيات مجلس النواب؟ هل يخضع المجالس الرقابية لسلطة الرئيس؟ إن تيارات وأحزابا سياسيا تجيب على الأسئلة السابقة بالإيجاب، من هنا أهمية أن يجلى الإعلام الحقيقة ويعدد المواد التى تقيد حق رئيس الجمهورية سواء فى إقالة الحكومة أو بعض أعضائها، وفى العفو عن العقوبة وتخفيضها وفى العفو الشامل، وفى توقيع معاهدات الصلح والتحالف، وفى إعلان الحرب وإرسال القوات المسلحة إلى الخارج بأكثر مما كان فى دستور 2012 من قيود. كما أن من المهم إبراز أن مجلس النواب الذى يقال إن سلطته ضعفت يتمتع لأول مرة بحق سحب الثقة من الرئيس، وإن الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية لا يعين الرئيس رؤساءها إلا بموافقة أعضاء مجلس النواب، وهكذا فى كل باب من أبواب الدستور.
•••
وأتمنى فيما يخص التنويهات الإعلانية أن تختفى وإلى الأبد سلسلة التنويهات التى يلعب فيها الدجاج دور البطولة ويُزج فيها باسم الدستور دون وجه حق، فعلاوة على أن هذه التنويهات تتسم بثقل ظل واضح فإنها تهزل فى موقع الجد، فلا الظرف السياسى يحتمل ولا طبيعة الدستور بوصفه الأب لكل القوانين يتسع لهكذا ابتذال. وعلى سبيل المثال يقول أحد هذه التنويهات «دستورنا جامد أوى اشمعنى؟ لما دخل لى العشة ما سقطش فى ولا مادة!»، فهل هذا معقول؟. من جانب آخر فإن سلسلة من التنويهات الإعلانية يقوم عليها مركز بحثى محترم تنصب على التعريف بأهمية الوثيقة الدستورية بشكل عام وموضعها من البناء القانونى للدولة بشكل خاص، ويتفرع ذلك إلى التعريف بالأبواب الأساسية للدستور من خلال مجموعة من الرسوم الكاريكاتيرية. مثل هذا التعريف بالدستور فات أوانه وتجاوزه الزمن بكثير فلم يعد أى من المصريين يستفهم عن معنى الدستور بعد أن خضنا جميعا تجربة التصويت على تعديلات 2011 مرة وعلى دستور 2012 مرة. فى المقابل مطلوب الإفساح لأمثال ذلك الإعلان الذى يحكى عن مواقف يمر بها المواطن المصرى فى حياته ويستعين على مواجهتها بالعودة إلى بعض المواد فى مشروع الدستور، ومن ذلك الموقف الخاص بالتعسف فى توظيف المرأة واستحضار المادة الدستورية التى تحظر ذلك وتقضى بالمساواة بين الجنسين.
•••
إن المطلوب هو توظيف الدعاية الإعلامية للتوعية الموضوعية بأهم أبعاد مشروع الدستور بدون زيادة أو نقصان، فالمشروع الحالى ليس هو الأفضل عالميا كما كان يدعى صناع دستور 2012 لكنه الأفضل مقارنة بكل دساتير مصر السابقة، وبالتالى فإن إنجاح الاستفتاء عليه ومقاومة المحاولات المستميتة التى يبذلها الإخوان وأنصارهم لعدم بلوغ الرابع عشر من يناير، هدف يستحق استثمار كل جهد ممكن فيما تبقى من أيام.