المهلبية فى السياسة المصرية - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 4:09 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

المهلبية فى السياسة المصرية

نشر فى : الخميس 11 أغسطس 2011 - 9:09 ص | آخر تحديث : الخميس 11 أغسطس 2011 - 9:09 ص

 فى المؤتمر الأول لحزب الفضيلة السلفى الذى انعقد فى يونيو 2011 قال د. محمد عبدالمقصود القيادى بالحزب ما نصه «واجب علينا إعانة القوى التى تريد المحافظة على الشريعة الإسلامية لمصر، ومنهم الإخوان فهم كمثل النشا الذى يضاف على المهلبية، حيث كان يعمل النظام السابق لهم حساب لقوتهم ونظامهم، وهذه القوى كانت مظلومة». استُعدت هذا التعبير النادر الذى يشَبه الجماعة المنظمة بمسحوق النشا المطلوب لتماسك حلوى المهلبية وسألتُ: هل قررت الأحزاب المدنية أن تستعين بالطرق الصوفية لتقوم هى الأخرى بدور النشا وتؤدى لتماسك كل القوى المطالبة بدولة مدنية فى مصر المحروسة؟

●●●

بدا لى المدخل السابق مناسبا لمناقشة قضية فقر السياسة فى مصر حيث يرتبط النجاح فى المجال السياسى بعلاقات وأدوات ومفردات غير سياسية. خذ مثلا ظاهرة الائتلاف الضمنى بين الإخوان والسلفيين من جهة وبين القوى المدنية والطرق الصوفية من جهة أخرى وسوف تجد أن طرفا أصيلا فى كلا الائتلافين لم يكن له شأن بالسياسة. لكنه إذ فجأة ألقى بنفسه فى أتون هذه السياسة بل وبادر بإنشاء عدة أحزاب من دون أن يمر بعملية إنضاج وتنشئة سياسية ممتدة تبدأ بالاهتمام بالشأن العام وتنتهى بالعمل الحزبى والترشح للمناصب السياسية. ومن شأن هذه النقلة المفاجئة أن تؤدى إلى إرباك المواطن العادى لأنها تصطدم ببعض أفكاره المسبقة. حدث ذلك عندما وجد المصريون رموزا إخوانية تدافع عن بعض الممارسات السلفية المنفلتة ضد علم مصر يوم الجمعة 29 يوليو مع أن الإخوان يرفعون صوتهم ضد كل تعدٍ على السيادة المصرية، وليس أكثر رمزا للسيادة من علم. ويتكرر ذلك حاليا مع الإفصاح عن ائتلاف للطرق الصوفية مع قوى ليبرالية وقومية ويسارية بل وشيوعية دون أن يدرى المرء أى شىء يجمع أولئك بهؤلاء، فحب مصر لا يحتاج عرضا مليونيا ولا يرد على خطأ 29 يوليو بمثله بل بتفعيل الحضور على الساحة وتأكيد المصداقية.

ثم إن الأدوات غير السياسية هى الأكثر تأثيرا فى التعبئة السياسية ونحن على مرمى حجر من الانتخابات. فعندما يعلن الإخوان قبل شهر رمضان عن رحلات أسرية للمصايف، أو يوزعون سلعا رمضانية «مدعمة» عند محطات المترو وما شابهها من منافذ، أو ينظمون المرور ويجمعون القمامة فإنهم لا يفعلون ذلك باسم حزب الحرية والعدالة لكن باسم جماعة الإخوان المسلمين التى يُفترض أنها جمعية خيرية دعوية لا تشتغل بالسياسة. وأكثر هذه الوسائل غير السياسية كانت موضع نقد واسع عندما كان يلجأ لها الحزب الوطنى مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية، ويطلق علماء السياسة على هذه الظاهرة «الزبونية السياسية».

وأخيرا فإن مفردات الخطاب السياسى تغترف من القاموس الدينى بإفراط، ولغة الدين غير لغة السياسة. ومع ذلك تجد مرشحين للرئاسة يتكلمون عن البدع والشياطين، وتجد حزبيين يتكلمون عن التكليف الإلهى ويميزون بين الهدى والضلال. ولعل آخر ما ورد فى هذا الباب ــ أى تديين السياسى ــ كان حديث أحدهم عن التفكير فى تكوين وفد من المشايخ وعلماء الدين لاستتابة مبارك وتذكيره بالله مع أن جرائم مبارك هى جرائم سياسية بامتياز، ومع أن المصريين وأهالى الشهداء لا شأن لهم بعلاقة الرجل بربه إن هو تاب أو لم يتب. كل ما يعنيهم هو تقديم مبارك للمحاكمة وإنزال العقاب العادل عليه جراء ما فعل دون زيادة أو نقصان. أما إن شاء صاحبنا أن يكسب ثوابا ويدعو مبارك للتوبة فهذا شأن يخصه وحده ولا صالح به للدولة، وبالتالى لا موجب لإعلانه إن كان مقصده الثواب.

●●●

أختم بالقول إن مبارك حرص على مدى ثلاثين عاما كاملة على تجريف الساحة المصرية من العمل السياسى والرموز السياسية، حتى إذا هو ذهب ظهر نهُمُ واسع للسياسة من باب أن الممنوع مرغوب. لكن حداثة التجربة والأهم ضعف قبضة الدولة عوامل قادت لإقحام ما هو غير سياسى فى شئون السياسة، وليس هكذا يُبنى مستقبل الأوطان الثائرة. فهل من سبيل إلى ترشيد أسلوب البناء الذى هو بيت القصيد؟

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات