مكان فى الصورة - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 4:16 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

مكان فى الصورة

نشر فى : الإثنين 11 نوفمبر 2013 - 7:10 ص | آخر تحديث : الإثنين 11 نوفمبر 2013 - 7:10 ص

اقتحم على مكتبى قبل أيام شاب أسمر طويل القامة على أعتاب الثلاثينيات أو تجاوزها بقليل، عرفت لاحقا أن اسمه حسن وأنه جاء من الصومال ليدرس فى المعهد الذى أعمل به، وأتم بالفعل دراسته. اقتحم، هو الفعل المناسب لوصف الطريقة التى دخل بها إلى مكتبى دون استئذان لكأنما انشقت عنه الأرض فجأة فإذا هو يقف أمامى ثائرا. طلبت منه أن يجلس لأستمع إليه فرفض، لم أجادله فأنا أقدر تماما أنه حين يفيض منسوب الغضب تتحول الأعصاب إلى حراب مسنونة، لا تُلوى ولا تُثنى. شكا إلى حسن من التأخر فى استخراج شهادته، وتحدث عن انتهاء مدة إقامته فيما أن الوافدين غير مرحب بهم فى تلك الظروف الصعبة التى تمر بها مصر، وحكى عن الغرامة التى سيضطر إلى دفعها لتغيير تاريخ السفر وهو الذى دبر نفقات السفر بالكاد واقتطع من دخل أسرته التى لا تكاد تجد قوتها ما يشق به طريقه إلى الدراسة فى أرض الكنانة. تهدج صوته وهو يذكر أن فرصة نادرة للعمل يوشك أن يفقدها ما لم يعد فى التوقيت المناسب. كان حسن ينطلق فى حديثه كمدفع سريع الطلقات، لم يفسح مجالا لتهدئة خاطره، ولا سمح باستدراك لتصحيح صورته عن معاملة الوافدين وتنبيهه إلى خطأ التعميم، لم يفسح ولم يسمح بل خلع حقيبته باهتة اللون التى تتدلى من ذراعه، وأزاح أكوام الورق المتراصة على مكتبى ليجد لها مكانا، وطفق يخرج منها المستند تلو الآخر من أول تذكرة السفر حتى إعلان الوظيفة.

 

لم يكن حسن قد أفرغ ما فى جوفه من ثورة، حين طرق الباب سائل جديد، طالب قديم من الجزائر مر بالقاهرة مرورا عابرا فأتى يتفقد المكان الذى درس فيه ويصل الود مع أناس جمعته بهم عشرة وذكريات قبل أن تتقطع بينهم السبل بسبب مباراة رياضية. ممكن صورة؟ قالها نبيل الجزائرى، فرددت مرحبة بكل تأكيد. بشكل عام نحن شعوب عاشقة للتصوير، نهوى فلاشات الكاميرات تبرق لتشملنا بضوئها، نزج بأنفسنا فى صور لأناس لا تربطنا بهم سابق معرفة ولن نرى هيئتنا فى صورهم لكننا نعطى أنفسنا الحق فى التطفل عليهم، نبحث فى خواص الموبايل أول ما نبحث عن سعة الذاكرة لنطمئن على أنه يوجد للصور حيز ومجال، بل قد تنسينا الأضواء الكاشفة رهبة الطواف بالكعبة أو جلال الصلاة فى المسجد فنلوح أو نبتسم لعل وعسى يُبث المشهد فضائيا. نحن نبحث عن الصورة ولا ننشغل كثيرا بالأصل.

خرجت من خلف المكتب وضممت سترتى فى وقار استعدادا لصورة تجمعنى بنبيل، لكنه عندما ناول الكاميرا بتلقائية شديدة إلى حسن ليلتقط صورتنا دون سابق معرفة، كان آخر ما توقعته هو أن يرد حسن قائلا: لكنى أنا أيضا أريد مكانا فى الصورة! لم يمانع نبيل، وخرج يبحث عمن يؤدى المهمة، حتى إذا حانت منى التفاتة إلى ذلك الشاب الأسمر الواقف إلى يسارى بهرتنى ابتسامة صافية على شفتيه وكأن شيئا لم يكن!

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات