الهروب إلى الوحدة - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 4:34 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

الهروب إلى الوحدة

نشر فى : الخميس 15 سبتمبر 2011 - 9:00 ص | آخر تحديث : الخميس 15 سبتمبر 2011 - 9:00 ص

كتبتُ فى هذا المكان قبل عدة أسابيع كيف أفضى مسار الثورة الإيرانية إلى استئثار رجال الدين بالسلطة بعد تخلصهم من القوى التى شاركتهم فى إطاحة الشاه. وحاولتُ بذلك التنبيه لمخاطر تكرار السيناريو نفسه وانفراد الإسلاميين بالساحة المصرية ما لم تتماسك القوى المدنية وتطرح نفسها بديلا سياسيا وازنا.

 

فى هذا المقال أعرض زاوية أخرى للمقارنة من واقع خبرة الوحدة بين شطرى اليمن الشمالى والجنوبى لكونها تفيد من جهتين: الأولى كيفية بناء التوافق الدستورى فى ظل حالة من الاستقطاب السياسى. والثانية كيفية التلاعب الدستورى بعلاقة الدين بالدولة تبعا للمصالح والأهواء. لكن قبل هذه المقارنة أستدرك قائلة إنه من المعلوم أن ظرف الوحدة اليمنية يختلف عن ظرف الثورة المصرية لكن ما يجعل حالتى اليمن ومصر قابلتين للمقارنة هو أن اليمن فى 1990-1991 كان بصدد بناء دولة جديدة وكذلك هى اليوم مصر. واستدرك أيضا بالقول إن نظام على عبد الله صالح الذى انتهى إلى ما نعلم ليس مؤهلا لينصح أحدا، لكن ثمة فارقا بين فشل هذا النظام فى إدارة علاقته بشعبه من جهة ونجاحه فى وضع دستور توافقى فى لحظة تاريخية فارقة من جهة أخرى.

 

●●●

 

خرجَت الوحدة اليمنية للنور فى 22 مايو 1990 ثم جرى الاستفتاء على دستورها فى 15 مايو 1991، أى أنه كما فى حالة مصر أقيم البناء أولا وبعد ذلك وُضع الأساس. وكما فى حالة مصر أيضا مر اليمن بمرحلة استقطاب سياسى وإن يكن أعنف بسبب الاختلاف الشديد بين طبيعة النظامين فى الشمال والجنوب، فالأول بدائى تقليدى محافظ والثانى يسارى ماركسى تقدمى، وانعكس هذا الاستقطاب بوضوح فى معركة دستور الوحدة. فمن جانب تبلورت أهم مطالب القوى الدينية فى حصر مصادر التشريع فى نصوص الشريعة، ورفض المساواة بين الجنسين، وتقييد الحريات الشخصية بالقيود الشرعية، وعدم السماح «للمرتدين» بتشكيل أحزاب تبث أفكارهم. أما أهم مطالب القوى اليسارية فكانت تأكيد مدنية الدولة، وإبراز المحتوى الاشتراكى للسياسات العامة، والالتزام بالمعاهدات والمواثيق الدولية.

 

 فى حينه كانت الضغوط قوية على شمال اليمن وجنوبه لإنجاح التجربة الوليدة، وشاع استخدام تعبير «الهروب إلى الوحدة» للإشارة إلى طبيعة الظروف الصعبة التى حتمت اللجوء إليها. وأخيرا خرج الدستور الوحدوى معبرا عن التوافق بين الاتجاهين المحافظ والتقدمى. استجاب الدستور للمحافظين بربط التشريع بالشريعة وجعلها مصدره الرئيسى، واستجاب للقوى التقدمية بتأكيد مركزية دور الدولة فى الاقتصاد وإقرار حزمة من الحقوق المدنية والسياسية. بطبيعة الحال استمر حزب التجمع اليمنى للإصلاح الذى يعد امتدادا لجماعة الإخوان المسلمين فى رفض الدستور بوصفه «يؤسس للعلمانية اللادينية»، وزاد فقاطع الاستفتاء عليه، وهاجم وجود الحزب الاشتراكى (الجنوبى) فى مجلس الرئاسة الحاكم، لكن الصياغة الوسطية للدستور بشكل عام حفظت توازن القوة بين الأطراف المختلفة.

 

●●●

 

وفى عام 1994 آن للأمور أن تتخذ مسارا آخر. خرج حزب المؤتمر (الشمالى) منتصرا من حرب الانفصال وتخلص من الحزب الاشتراكى شريكه فى الحكم، وعزز علاقته السياسية بالتجمع اليمنى للإصلاح، وصّبت تلك التطورات كافة فى متن التعديلات الدستورية التى جرت فى العام نفسه وشملت 60% من مواد دستور 1991. وبمقتضى ذلك تحولت الشريعة الإسلامية إلى مصدر لجميع التشريعات، وتغير النص من «المساواة بين اليمنيين بغض النظر عن النوع» إلى «النساء شقائق الرجال»، وأضيف شرط أداء الفرائض الدينية إلى متطلبات الترشح للبرلمان. كان الرئيس اليمنى فى 1991 هو نفسه فى 1994، لم تتغير قناعاته، لكن مصالحه هى التى تغيرت فاختبأ خلف الدين وغيَر النص، وليس كل ما يلمع ذهبا.

 

●●●

 

تنبئنا التجربة اليمنية أن التوافق على قواسم مشتركة ليس مستحيلا رغم بعد المسافة بين الفرقاء، وتخبرنا بأن الاغترار بالقوة والتعالى على شركاء الأمس يفضى إلى القطيعة وقد يُنذر بالتفكيك، وتفيدنا بأن أكثر الأشياء عُرضة للتلاعب هى التى تتصل بعلاقة الدين بالسياسة. فلنتمعن فى الحاجة للمبادئ الدستورية الحاكمة فى مصر على ضوء التجربة اليمنية، ولنؤمن أن مشكلات المرحلة الانتقالية فى مصر أكبر من أن يحمل أثقالها طرف بمفرده وأن هوية مصر أكثر تنوعا من اختصارها فى بعد واحد. وهذان عاملان مقبولان وقد يكونا كافيين لتبرير محاولة الهروب إلى الوحدة.   

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات