أتيحت لى فرصة المشاركة فى مراقبة الاستفتاء على مشروع الدستور الجديد تحت مظلة المجلس القومى لحقوق الإنسان. واخترت أن تشمل جولتى قطاع شرق الذى يشمل مصر الجديدة ومدينة نصر والمطرية وعين شمس ومدينة السلام، وسجلت بالفعل ملاحظاتى المستقاة من زيارة خمس عشرة مدرسة تتوزع على هذه المناطق ما عدا مدينة السلام التى أدى وقوع اشتباكات بين الإخوان والأمن قرب الألف مسكن إلى غلق الطريق المؤدى لها بواسطة سيارات الشرطة.
تفاوت إقبال المواطنين على التصويت من لجنة إلى أخرى، وبلغ حتى الثانية ظهرا أدناه فى مدرسة رفاعة الطهطاوى الابتدائية المشتركة بمدينة نصر والمخصصة بالكامل للسيدات، أما أقصاه فكان فى الجامعة العمالية أيضا بمدينة نصر التى خصصت للوافدين واختلط فيها الرجال بالنساء. أدت الطبيعة السكانية لمدينة نصر وبروز المكون الوافد فيها، خصوصا مع وجود المدينة الجامعية لطلاب الأزهر، إلى زحام شديد لم يتم الاستعداد له وكاد يفلت زمام الموقف عندما حاول الأهالى اقتحام الأبواب تذمرا من طول الانتظار فى طابور امتد خارج الجامعة عدة أمتار. ساعد فى إرباك الوضع داخل اللجنة التباس مفهوم «الوافدين» فى ذهن البعض، وبالتالى تردد مواطنون من 6 أكتوبر وحلوان والمعادى على الجامعة العمالية للإدلاء بأصواتهم لمجرد أنهم يعملون فى محيط مدينة نصر ولا يعودون إلى بيوتهم إلا فى المساء.
•••
اختفت لافتات الدعاية ومشهد الشباب الجالس بلاب توب الذى كنا نراه أمام اللجان الانتخابية فى تجارب الاستفتاء والانتخاب من أول مارس 2011 وما بعده، لكن فى المقابل كانت أغنية تسلم الأيادى بمثابة دعاية غير مباشرة للتصويت بنعم. سمعت هذه الأغنية فى معظم اللجان وبأشكال مختلفة، أما الشكل الأكثر انتشارا فكان هو رنة الموبايل علما بأن هذا الشكل يعفى صاحبه من مسئولية التأثير على آراء المواطنين لأنه فى النهاية استخدام شخصى. أما أمام مدرسة يوسف السباعى بمصر الجديدة فقد راحت مجموعة لا بأس بها من النساء تنشد الأغنية نفسها ملوحة بعلم مصر، وعلى مقربة من مدرسة مسلة الابتدائية بالمطرية وقفت سيارة ملاكى تنبعث منها الأغنية ذاتها، وهكذا. حدثت أيضا خروقات أخرى لكن أقل أهمية تمثلت فى قيام بعض الأطفال بوضع أوراق التصويت لذويهم فى الصناديق، وهذا لا تأثير له فى سير عملية التصويت. عدا هذا وفى حدود مشاهداتى كان هناك تدقيق فى الهوية، والتمسك بالحبر الفوسفورى، ورفض استخدام الأقلام من خارج اللجنة، وختم بطاقات التصويت.
تميز تأمين مقار التصويت بدرجة عالية من الكفاءة، ففى كل المرات التى توقفت فيها السيارة أمام أحد هذه المقار لم يمهلنى رجال الجيش والشرطة كى أترجل، كانت هناك فيما يبدو تعليمات صريحة بعدم توقف أى سيارة أمام أبواب مقار التصويت، وهذا شىء إيجابى.
•••
أما عن أهم شكاوى القضاة فتمثلت فى صعوبة إشرافهم على ثلاث لجان، علما بأن بعض اللجان كانت ثنائية والأخرى ثلاثية تبعا لكثافة عدد الأصوات فى الدائرة الانتخابية. سمعت هذه الشكوى فى مدرستى محمود تيمور الإعدادية بنات فى مدينة نصر ومدرسة محمود مختار الابتدائية بعين شمس، والمدرستان مخصصتان للجان النسائية مما يزيد من تفاقم المشكلة لكون الأم عادة ما تصحب ابنا أو أكثر فيزيد الزحام ويزوغ البصر. الشكوى الثانية التى تكررت تقريبا فى كل المدارس التى مررت بها هى الخاصة بعدم معرفة قطاع من المواطنين بلجانهم وأرقامهم فى كشوف الناخبين، هذا علما بأن بعض المدارس وبخاصة مدرستا مصر الجديدة الإعدادية ومصر الجديدة الثانوية بنات قد شرعت فى تجربة القراءة الإلكترونية للرقم القومى على نحو يسهل التعامل مع هذا النوع من المشكلات عند الانتقال من التجربة إلى التطبيق.
•••
لا تخطئ عين المراقب ظاهرة الحساسية المفرطة التى أبداها بعض المواطنين تجاه الإخوان، مع أن الأصل فى الموضوع هو التصويت على مشروع الدستور. قالت لى امرأة فى العقد الخامس ذهبت لتدلى بصوتها فى مدرسة الطبرى الثانوى بنين بمصر الجديدة، إن الموظف المسئول حين استعلمت منه عن مكان لجنتها ورقمها 64، أِشار لها بعلامة رابعة وقال لها ها هنا فنهرته.
وحدثتنى زميلتها عن أن هناك تعطيلا متعمدا للتصويت حتى لا يمر الدستور، لكنه سيمر رغم أنوفهم، هكذا قالت. وفى مدرسة ابن النفيس التجريبية بمدينة نصر سحبت الموظفة بعصبية الموبايل من سيدة كانت تصور به بطاقة تصويتها قائلة: يصورون البطاقات ليرسلوها للإخوان، وعندما سألت السيدة بتطفل بماذا صوتت أجابت نعم للدستور.
الأمر الآخر أن هناك تماهيا فى ذهن عدد من المواطنين بين التصويت بنعم على الدستور وأيضا على الفريق الأول عبدالفتاح السيسى لا بل وأيضا على أداء الحكومة. ففى مدرسة المحمدية الإعدادية بنات بالمطرية طلب شاب فى مقتبل العمر من المستشار المسئول عن إحدى اللجان أن يوضح له معنى الدائرتين فى بطاقة التصويت، وحين فعل وضع الرجل علامة صح أمام نعم قائلا نعم للسيسى. وقريب من ذلك ما فعلته امرأة بسيطة الهيئة فى مدرسة رفاعة الطهطاوى بمدينة نصر حين دعت المستشار لأن يؤشر لها بنعم على كل شىء «الحكومة والدستور والسيسى».
•••
انتهت ملاحظاتى على اليوم الأول للتصويت، أما الملاحظة التى لا شأن لها بالتصويت لكن بأصحاب الأصوات التى يخصها المستقبل ويصمم لها الدستور، فأظن أن مدارسنا بمختلف مراحلها تحتاج إلى معجزة حقيقية حتى تتحول إلى أماكن لائقة بتلقى العلم والمعرفة، فألوان الجدران الكابية، والرطوبة التى تنخر فى الأسقف، والأبواب القديمة، والزجاج المكسور، ولمبات النيون المعطلة، والسبورة التى هى عبارة عن مجرد طلاء أسود له إطار خشبى، ظواهر متكررة فى معظم المدارس التى مررت بها. وتبلغ المفارقة مبلغها حين تجد واحدة من تلك المدارس فى عين شمس تحمل اسم فلسطين فتبعث برسالة غاية فى القبح والإيلام فى الوقت نفسه.