الكل فى واحد - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 4:30 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

الكل فى واحد

نشر فى : الخميس 18 فبراير 2010 - 10:11 ص | آخر تحديث : الخميس 18 فبراير 2010 - 10:12 ص

كثير من الناس تعرفه وقد تكون بينك وبينه عِشرة يطول مداها أو يقصر، ثم يأتى موقف أو يقع حدث فتتبين أن ما تجهله عن رفيقك أكبر مما تعلم. كان هذا هو حالى عندما قرأت مقال فريدة الشوباشى المنشور فى المصرى اليوم بتاريخ 10/2. لفت انتباهى بداية عنوان المقال «بل عنصر واحد»، فهو يفصح عن مضمونه الذى يتصل بالعلاقة بين مسلمى مصر ومسيحييها، هذه العلاقة التى ينشغل بها كل المهمومين بمستقبل مصر وأمنها واستقرارها، وكل الذين يرون فى التنوع قوة لا ضعفا وتكاملا لا فوضى. ثم إذا بالمقال يأخذ القارئ إلى تجربة إنسانية بديعة عاشتها الكاتبة، وانتقلت خلالها من المسيحية إلى الإسلام، فلم تختلف فى شىء قط علاقتها بوطنها، وكل ما اختلف هو مفردات عبادتها لله عز وجل عندما تحولت الكاتبة من فريدة جورج إلى فريدة أحمد طاهر الشهيرة بفريدة الشوباشى.

ولعل من أروع ما تضمنه مقال فريدة فى التدليل على هذا المعنى، تأكيدها أنها وهى التى تحمست للتطوع فى المقاومة الشعبية أثناء العدوان الثلاثى على مصر فى عام 1956 كانت هى نفسها التى خرجت فى مظاهرة التاسع من يونيو عام1967 رفضا للهزيمة وتمسكا بقيادة عبدالناصر، ففقدت جنينها وهو فى شهره السابع. هى هنا كانت فريدة وهناك أيضا كانت فريدة مع أنها فى1956 كانت ما تزال مسيحية وفى1967 كان قد مضى على اعتناقها الإسلام أربعة أعوام. فلا يوجد دين أقل انتماء من دين، لكن الصحيح هو أن هناك منسوبين لهذا الدين أو ذاك يكون منهم المنتمى كما قد يكون منهم غير المنتمى.

عرفت فريدة فى مطلع هذه الألفية وكانت قد عادت بعد سبعة وعشرين عاما كاملة قضتها مغتربة فى فرنسا حيث كانت تعمل فى إذاعة مونت كارلو، كنت قبل ذلك قد قرأت لها بعض قصصها القصيرة، ثم التقيتها مرارا فى إطار إحدى هيئات المجتمع المدنى التى تنشط بفاعلية فى ترسيخ قيمة المواطنة فى نفوس المصريين. والآن عندما أستجمع كل المواقف التى جمعتنا وأحاول أن ألخص أهم ما يميز شخصيتها فسأقول إنها جريئة بل ومقاتلة،مجادلة بلا ملل، واضحة لا تساوم، وناصرية إلى حد التطرف. ومع أن كثيرا من القضايا التى عالجتها ندواتنا المشتركة كانت تدور حول علاقة الدين بالدولة، إلا إننى لم أسمعها ولو لمرة واحدة توظف حدوتتها الشخصية لتؤكد كذا أو لتدحض كذا، ببساطة لأن حجتها كانت دائما وطنية لا دينية، تماما كما كانت حججها فى مواجهة محاولات تهويد الخطاب الإعلامى الفرنسى إبان عملها فى إذاعة مونت كارلو.

للوهلة الأولى ظننتُ أننى أنا التى لا تعلم شيئا عن هذا الجانب من جوانب حياة فريدة، ثم اكتشفت بالتدريج أن كل من حولى لا يعرفونه عنها. أكثر من ذلك فإن منهم من كان يتصور أن فريدة هى من نسل الأسرة «الشوباشية» التى خرج منها الكاتب شريف الشوباشى والممثلة فاتن الشوباشى زوجة الكاتب الراحل عبدالرحمن الخميسى. مع أن علاقة فريدة بهذه العائلة هى علاقة نسب، فقد تزوجت من الصحفى والكاتب الروائى والسياسى المخضرم على الشوباشى واكتسبت لقبه بحكم إقامتها الطويلة فى الخارج.

أحببت جدا هذا الطوق من السرية الذى ضربته فريدة حول دينها وطوت عليه صدرها طيلة هذه الأعوام رغم الميل المتزايد من حولها للإفصاح عن الدين والمذهب. فلم يكتشف أحد أن فريدة تصلى إلا صدفة عندما كانت تنسى أن توصد باب غرفتها وهى تؤدى الصلاة، ولا فسر أحد امتناعها عن احتساء القهوة فى نهار رمضان بأنها تصوم ولا هى تطوعت أبدا من جانبها بمثل هذا التفسير. حافظت فريدة على الدين علاقة بينها وبين خالقها لا شأن لأحد بها ولا دخل لأحد فيها، والمؤكد أنها أيضا كانت حريصة على ألا تؤذى مشاعر أسرتها. فمع أن جو الستينيات كان يختلف بالكلية عن جو الألفية الثالثة فيما يخص الموقف من الدين، إلا أن تغيير العقيدة يظل هو الاستثناء فى كل العصور.

ولذلك فلعلنى ألتمس العذر لذلك الشيخ الذى أشهرت فريدة إسلامها أمامه فى أحد أيام عام 1963، عندما سألها هل تُسلم لتتزوج؟ فترد بأنها متزوجة. فيعاود سؤالها هى تُسلم إذن لتُطلق؟ فترد بأنها سعيدة فى زواجها.. فيتعجب لأنه لا يتصور ألا يأتى تغيير الدين إلا مفروضا من الخارج. أما ما لم تصرح له به فريدة فهو أنها تعرفت وهى طالبة فى كلية الحقوق على نموذج عمر بن الخطاب فكان هو مدخلها إلى الإسلام.

لماذا قررت فريدة الشوباشى أن تفض سرها بعد سبعة وأربعين عاما كاملة من الصمت؟ تبرر بوحها بعد طول كتمان بأنه الخوف من أن يتحول تكرار الحديث عن عنصرى الأمة إلى مقدمة لتقسيم هذا الوطن. فبشكل عام هى لا ترى الوطن إلا عنصرا واحدا يضرب بجذوره فى عمق التاريخ، عنصر واحد فى الروح والجسد والسحنة والوطنية قبل الفتح الإسلامى وبعده. وبشكل خاص هى تعتبر نفسها تجسيدا حيا لتلك الوحدة التى لا تقبل القسمة على اثنين، ففى داخل نفسها يتقاطع الرافدان المسيحى والمسلم ويتعايشان معا فى سلام مدهش.

قليلون هم من مازالوا يقولون ما قالته فريدة، لكنهم موجودون فى شخصها وفى أشخاص كل من هنأوها على مقالها الجميل من أمثال محمد حسنين هيكل وجورج إسحاق وغيرهما كثيرون. هم موجودون بيننا ووجودهم يطمئننا على أن هذا الوطن مازال بخير لأنهم يؤمنون إيمانا صادقا بأن هناك عنصرا مصريا واحدا لا اثنين ووطنا واحدا لا وطنين. وطن مثقل نعم، ظالم نعم، لكن أحدا لا يتبرأ منه. تذكرت رائعة توفيق الحكيم «عودة الروح» التى تصور أسرة الست زنوبة وقد أصابت أفرادها الحمى الإسبانيولية وتكدسوا جميعا فى غرفة واحدة رغم وجود غرفة أخرى بالبيت، حتى إذا عادهم الطبيب سألهم مستغربا: «ما الذى يحملهم على هذا الحشر؟ فأجابه صوت أحدهم من أعماق السرير: مبسوطين كده!»، وهذا هو المعنى الذى قصده الحكيم فى روايته: معنى أن الكل فى واحد. 

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات