بل صفر ــ صفر - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 4:09 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

بل صفر ــ صفر

نشر فى : الأربعاء 18 مارس 2009 - 7:39 م | آخر تحديث : الأربعاء 18 مارس 2009 - 7:39 م

 عندما اختارت أن تشاهد الفيلم الجميل «واحد ــ صفر» لم يكن ذلك استجابة لرغبة نسائية دفينة مبعثها التعاطف مع مخرجة الفيلم ومؤلفته وبطلته الأولى وكلهن نساء، فهى مع الاعتذار لكل المشتغلات بقضايا المرأة وهى منهن فإنها لم تبن خياراتها قط على أساس الانحياز للنوع أو الجنس، لكنها اختارت أن تشاهد الفيلم من باب الغيظ والكمد.

من قبل أن يٌعرَض الفيلم والدعاية المضادة تسبقه، وعندما عُرض زادت الحملة وتطور الأمر لتحريك دعوى قضائية ضد صـﱠناعه وتدخل النائب العام وطَلب مشاهدته، والسر أن فى الفيلم مسيحية تخطئ. لم تكن هى المرة الأولى التى تثار فيها مثل هذه الضجة حول أخلاقيات الشخصية المسيحية فى الدراما المصرية فقبلها تنبهنا على ضجة لا تقل صخبا عندما عُرِض فيلم «بحب السيما». فى الحالتين كانت للبطلة زلتها مع اختلاف بسيط فى التفاصيل، جفوة الزوج وفهمه الخاطئ للدين فى بحب السيما، ولا مسئولية الحبيب وتعقيدات الزواج الثانى فى واحد ــ صفر، وفى الحالتين انصب الهجوم على تشويه الدراما للأخلاقيات المسيحية وعلى تدخل من لا يعنيهم الأمر فى علاقة المسيحى بربه وكنيسته، مع أنه للعجب فإن مخرج بحب السيما ومؤلفه كما هى مؤلفة واحد ــ صفر كلهم مسيحيون.

تختلط فى الضجة المثارة حول الفيلم اعتبارات كثيرة يدخل فيها الركض وراء الشهرة بأى ثمن، والخلط بين قيم المسيحية كدين وأخلاقيات المسيحيين كأتباع لهذا الدين، ويدخل فيها طبعا التدهور الحاصل فى مستوى حواراتنا الثقافية، ومع ذلك فإن القضية أعمق من ذلك، وبالتالى فإن صاحبتنا لن تناقش المسألة من باب أن كلكم خطائين وخير الخطائين التوابون ولا من باب من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر ،لن تناقش القضية من هذا الباب ببساطة شديدة لأنها لا تريد أن تخوض فى بديهيات، فكلنا يخطئ وهذا معلوم.

لكن ما تحرص على أن تناقشه وما يوجع قلبها فعلا هو كيف يضرب مثيرو الضجة حول تلك الأعمال الدرامية بمعول باتر فى أسس المواطنة المصرية وركائزها. لقد قضت سنين عددا هى وكثير من خلصاء هذا الوطن فى الدفاع عن قيمة المواطنة كمظلة يحتمى بها المصريون جميعا بمسلميهم ومسيحييهم من سهام الغلو والشطط من أى من الجانبين جاء، ورفضت كما رفضوا التفسير الدينى للظواهر والمعاملات وعلاقات أبناء الوطن، فكان يستفزهم تسليط الضوء على شجار بعينه لمجرد أن أحد طرفيه مسيحى والآخر مسلم وكأنه مقبول أن يتشاجر المسلمون ويتشاجر المسيحيون كُلُ على حدة، مع أن الأصل فى تهديد استقرار الوطن هو واقعة الشجار، بغض النظر عن مسألة الدين. ثم يأتى هؤلاء الراكضون وراء الشهرة ويدعون إلى التعامل مع المسيحيين كجماعة دينية تترفع عن الخطايا ولا يزل أى من أبنائها فتسقط فى معرض دعواهم قيمة المواطنة ويزيد التعصب للدين.

ما أكثر الشخصيات المسيحية التى زخرت بها الدراما السينمائية ،فكان منها العَـﱠوام البارع فى جيش الناصر صلاح الدين ،والجارة الودودة فى «سلامة فى خير»، وزميل العمل المخلص فى«أم العروسة»، ولكن كان منها أيضا الشخصية الفاسدة صاحبة النفوذ فى البوسطجى والراقصة المحترفة فى شفيقة القبطية وفتاة الليل التى غرقت حتى أذنيها فى الخطيئة قبل أن تنذر نفسها للرب فى فيلم «الراهبة».. كان بين هؤلاء من هم مصريون أبا عن جد، ومن هم يونانيون متمصرون. وكان بينهم الصراف، والموظف، والصائغ، وناظر الزراعة، وهؤلاء كان بينهم الطيب والخبيث والصالح والطالح، ومع ذلك لم يعترض أحد، ولا ادعى أحد أن مسلما لا يحق له أن يتناول المسيحى دراميا إلا فى صورة يوتوبية مثالية لا محل لها إلا فى جمهورية أفلاطون وليس فى ممالك الأرض وجمهورياتها. فقد كانت المواطنة تعلو وكان التعصب للدين فى حده الأدنى، كنا مصريين.

يحيرك هؤلاء الذين يفتعلون الأزمات بمناسبة تجسيد أى شخصية مسيحية على الشاشة بين أمرين لا ثالث لهما، الأول أن تصور مجتمعا طبيعيا يفسد أهله و يصلحون لكن كلهم مسلمون، والثانى أن يتسع كادرك قليلا لشخصية مسيحية أو أكثر بشرط أن تكون لها صفات الملائكة، والأمران كلاهما مر. ففى الأول عزل للمواطن المسيحى وإلغاء لوجوده وتجهيل به لدى جمهور المسلمين، وفى الثانى استفزاز لشياطين الفتنة التى يعطيها احتكار المسيحيين للفضيلة الفرصة كل الفرصة لإشعال الحريق. ترى كيف يصح لنا أن ندعو لإلغاء خانة الدين من وثائقنا ونضخم فى الوقت نفسه البعد الدينى فى شخصياتنا؟ وكيف نتمسك بالمواطنة فى دستورنا وعندما نمارسها يخرج من يقول لنا «ستوب» لا يحق لكم أن تفعلوا فلستم على ديننا؟

إن هذه الحيرة فى تصوير العلاقة بين المسلم والمسيحى ما بين مدخل الجماعة الدينية ومدخل المواطنة هى التى أدت إلى أن يقتصر فيلم كـ«حسن ومرقص» على ملامسة قشور تلك العلاقة من دون أن ينفذ إلى أعماقها، ولأنه كذلك أضحكنا مرقص وهو يؤم المصلين فى المسجد فتلعثم ليس يدرى ما يقول، وأضحكنا حسن حين حفه الشمامسة منشدين فتسمّر فى مكانه ولم يلف لفهم، واستراحت ضمائرنا وأبطال الفيلم يشبكون أياديهم غير آبهين بالعراك من حولهم فى مشهد يرضى جميع الأطراف، مشهد النهاية، ثم خرجنا من السينما وما عادت تعلق بذاكرتنا أى تفاصيل. فهل هذا هو ما نريد؟

إن الرسالة التى يريد أن يبعث بها لنا صانعو الضجة الوهمية حول هذا الفيلم وكل ما يماثله من أفلام هى أن الشخصية المسيحية عبارة عن taboo أو شىء محرم لا يجوز الاقتراب منه إلا بحذر، لكن الحذر هو باليقين ضد الإبداع ونقيضه، تماما كما أن التعصب للجماعة الدينية بالتحديد هو ضد الانتماء للوطن، وهكذا فإن ما يفضى إليه الانجرار وراء هؤلاء فى الواقع إنما هو الرسوب فى الفن وفى المواطنة فى آن واحد، بحيث تكون النتيجة النهائية هى صفر ــ صفر وليست واحد ــ صفر.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات