لعل ما لم يخطر على بال لورين بوث الناشطة البريطانية والصحفية فى جريدة الديلى ميل عندما اعتنقت الإسلام قبل نحو ثلاثة أسابيع، أن يكون أول ما يتبادر إلى أذهان نفر من المسلمين عندما يتناهى إليهم خبر إسلامها هو مواجهتها بسؤال عما إذا كان المذهب الذى اعتنقت عليه الإسلام هو المذهب السنى أم المذهب الشيعى.
والأرجح أنها وإن كانت قد سمعت عن المذهب الشيعى بحكم وفرة الكتابات الغربية عنه وعن أتباعه وعن دور الجمهورية الإيرانية فى نشره بعد احتلال العراق عام 2003 ثم فى تدعيمه بعد عدوان إسرائيل على لبنان عام 2006، إلا أنها بالقطع لم تعرف حدود الاتفاق وتفاصيل الاختلاف بين المذهبين السنى والشيعى، بل إنها لم تكن معنية من الأساس بأن تعرف. ففى كل الأديان فرق ومذاهب تختلف فى التفاصيل وتتفق فى الجوهر، وهى بالذات تنتمى إلى بريطانيا التى تورطت فى صراع دموى بين البروتستانت والكاثوليك فى أيرلندا الشمالية لم يتوقف إلا مع اتفاقية الجمعة العظيمة فى 1998، وهذا وحده كفيل بأن يجعلها تنأى بنفسها عن حديث المذاهب والطوائف.
وباعتراف لورين بوث فإن الصورة التى تكونت لديها عن الإسلام سواء بفعل تأثير الدعاية الغربية المغرضة أو بتباهى تنظيم القاعدة وما شابههه بالجهاد فى غير موضعه، كانت صورة سلبية تقوم على أن الإسلام ككل هو دين عنف واضطهاد للمرأة، لا يُستثنى من ذلك أىٌ من مذاهبه. ثم عندما قُدر للورين أن تتردد على المنطقة العربية وتخالط مسلمين أسوياء منهم نساء يشاركنها بعض القيم التى تربت عليها وآمنت بها، بدأت تتغير بالتدريج فى ناظريها الصورة النمطية المسبقة عن الإسلام ككل وليس عن مذهب دون آخر.
ومع ذلك فقد طُرح سؤال المذهب على لورين بوث عدة مرات، وحُرفت عمدا إجاباتها عنه، واستفزتها تصريحات نسبتها إليها إحدى الفضائيات العربية للزعم أنها تشيعت، وأدهشها تحذير بعض المدونين لها من أن تقع فى براثن الروافض، وهى التى لا تعرف أصلا عن أى شىء يتحدثون.
كانت خطيئة لورين التى فجرت من حولها كل هذا اللغط إعلانها أنها استقرت على اعتناق الإسلام بعد أن زارت إيران ووقفت فى مدينة قم أمام ضريح فاطمة ابنة الإمام موسى الكاظم. لكن قبل أن تحل لورين بقم كانت قد قامت بعدة زيارات لبعض بلدان الشرق الأوسط، وشاركت فى الحملات التى نُظمت لمناهضة الحرب على العراق، كما عملت فى نطاق جهود الإغاثة للتخفيف عن نحو مليونى فلسطينى محاصرين فى قطاع غزة. بعبارة أخرى فإن المناضلة البريطانية لم تكتشف الإسلام فى إيران بل أن إيران كانت هى المحطة الأخيرة فى سلسلة زياراتها لمنطقة الشرق الأوسط واحتكاكها بقضايا تلك المنطقة منذ خمس سنوات. لكن السائلين لم ينشغلوا بالتاريخ السياسى لمثل هذه الناشطة فى مجال الدفاع عن حق الشعوب فى الحرية تقرير المصير، ولا أثار فضولهم كيف أنها وهى الأخت غير الشقيقة لشيرى زوجة رئيس الوزراء البريطانى السابق تونى بلير قد تبنت خطا معارضا لسياساته حتى وهو فى السلطة. فقد كان سؤال المذهب هو السؤال الأهم بالنسبة لهم، أرادوا به تصدير فتنتهم إليها وهى التى كانت قد تحررت بالكاد من فكرتها السلبية المسبقة عن الإسلام والمسلمين.
ومع ذلك فإن لورين بوث قد فوتت عليهم الفرصة، ففى كل المرات التى اسُتدرجت فيها لسؤال من هذا القبيل جاءت إجابتها بمثابة تنويع على مضمون واحد لا يتغير: أنها ترفض أن يتم استغلالها فى إثارة النعرات بين المسلمين وبعضهم البعض.
فهل يمكن لامرأة حديثة عهد بالإسلام أن تكون أصفى بصيرة وأحكم رأيا من رجال ولدوا على دين الإسلام وقضوا فيه معظم سنوات عمرهم ؟ أكثر من ذلك فإن الفجوة تزداد اتساعا بين رؤية هذه الناشطة البريطانية ورؤى الباحثين عن نقاط الاختلاف بين الأديان والمذاهب عندما نعرف أنه فى الوقت الذى كانت تدافع فيه هى عن إسلام بلا مذاهب كان «مجاهدو» القاعدة ينفذون سلسلة متتالية من الهجمات على مناطق تسكنها أغلبية شيعية فى داخل العاصمة العراقية بغداد.
هذه الهجمات ليست الأولى وهى لن تكون الأخيرة، ولها ما يناظرها بل وأعنف منها فى باكستان حيث تُفجر بيوت يرفع فيها اسم الله كثيرا لأن مرتاديها ليسوا على مذهب من قاموا بالتفجير، لكن تزامن تفجيرات بغداد تقريبا مع تصريحات لورين بوث يكشف عن القطيعة الكاملة بين المنهجين.
عندما راجعَت واحدة من نساء قريش سيدنا عمر بن الخطاب فيما ذهب إليه أثناء إحدى خطبه من نهى المسلمين عن أن يزيدوا مهور النساء عن أربعمائة درهم، وذَكّرته بتلك الآية فى سورة النساء التى تقول «وآتيتم إحداهن قنطارا»، لم يتردد ثانى الخلفاء الراشدين فى أن يقر على الملأ بأن المرأة أصابت بينما أخطأ هو.
تختلف قصة المرأة البريطانية عن قصة المرأة القرشية فى كل شىء: السياق والمضمون وبالطبع الأشخاص، أما الرسالة فى القصتين فتبقى واحدة، فهل من بين من طرحوا سؤال المذهب يظهر رجل ليعترف بأنه سأل السؤال الخطأ وتلقى الإجابة السديدة من وجهة نظرها؟، أم أن الإقرار بالخطأ فى هذا الزمن بات فضيلة لا يقدر عليها أحد؟.