فى سوريا التغيير يأتى من الداخل - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 4:25 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

فى سوريا التغيير يأتى من الداخل

نشر فى : الخميس 19 يناير 2012 - 9:15 ص | آخر تحديث : الخميس 19 يناير 2012 - 9:15 ص

الضغط الشعبى الذى يمارسه قطاع مهم من الشارع السورى للمطالبة بالتدخل الخارجى إلى حد تخصيص يوم الجمعة 6/1/2012 لهذا الغرض، مسئول عن إفشال وثيقة التفاهم التى وقعها بالأحرف الأولى كلُ من رئيس المجلس الوطنى د. برهان غليون ورئيس هيئة التنسيق د. هيثم مناع. وعندما أقول إن قطاعا مهما من الشارع السورى يضغط فى اتجاه التدخل الدولى لا أستطيع أن أحدد نسبته على وجه الدقة، فهو وإن كان الأكثر معاناة من آله بطش نظام الأسد، إلا انه لا يمثل كل السوريين.

 

رَفض المكتب التنفيذى الذى هو أعلى جهاز فى المجلس الوطنى السورى وثيقة التفاهم الموقعة فى 31 ديسمبر 2011 بعد محاولات دامت نحو شهرين للتقريب بينه وبين هيئة التنسيق. وقيل فى تفسير هذا الرفض إنه يعود إلى الصيغة المراوغة للوثيقة فى التعاطى مع قضيتين اثنتين، إحداهما قضية الجيش السورى الحر والأخرى قضية التدخل الخارجى. فى الموقف من تسلح بعض المنشقين عن الجيش السورى وتنفيذهم عمليات عسكرية لهز استقرار النظام، أشادت الوثيقة بمواقف الضباط والجنود الذين رفضوا إطلاق النار على المدنيين العزل لكنها دعت فى موضع آخر إلى نبذ العنف، وهذا استدراك له معنى. وحول قضية التدخل الدولى عموما والعسكرى خصوصا، نصت الوثيقة على رفض أى تدخل عسكرى أجنبى يمس بسيادة سوريا واستقلالها، وكأن هناك تدخلا يمس بالسيادة وآخر لا يمس. كما نصت على حماية المدنيين بكافة الوسائل المشروعة فى إطار إعمال القانون الدولى لحقوق الإنسان، ومعلوم أن هذه الحماية تفترض حدا أدنى من الوجود العسكرى الأجنبى كما فى حالة توفير ممرات إنسانية آمنة مثلا. ومما يذكر فى هذا الخصوص أن الرئيس الفرنسى نيكولا ساركوزى كان قد تحدث قبل بضعة أيام عن تلك الممرات الإنسانية وعن أن بلاده ستعمل من أجها «بلا هوادة». والخلاصة أن الوثيقة أرادت إمساك العصا من المنتصف فلم تُغضب المجلس الوطنى بأن تستبعد بالكلية احتمال اللجوء إلى التدخل العسكرى فى المستقبل، لكنها كذلك لم تتحدث عن التدخل العسكرى الذى ترفضه هيئة التنسيق بالمطلق.

 

●●●

 

فى هذا المقال أختص قضية التدخل الدولى بالنقاش وأعتبرها بيت القصيد،وعند هذا المستوى من التحليل وحين ندقق فى الخلاف القائم بين المجلس والهيئة حول قضية التدخل سنجده خلافا بلا أساس موضوعى لأن ما من طرف دولى فاعل يسنده. فى داخل مجلس الأمن لن تسمح روسيا والصين بصدور قرار ينقل التعامل مع الملف السورى إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وقد تقدمت روسيا فى 16 ديسمبر الماضى بمشروع تسوية يمثل نقلة مهمة فى موقفها لكن مع الحفاظ على الباب مغلقا أمام التدخل الدولى، فسوريا والجزائر هما آخر منافذها للبحر المتوسط حيث المياه الدافئة. والولايات المتحدة تبدى حماسة ظاهرة لتفعيل دور الجامعة العربية فى الأزمة السورية، ثم أنه لا ينبغى أن يمر مرور الكرام حديث باراك أوباما فى مطلع هذا العام عن استراتيجية دفاعية جديدة لبلاده تخفض ميزانية الدفاع بقيمة 450 مليار دولار وتقلل عدد الجنود بواقع 490.000 جندى. وذلك أن هذا الإعلان إنما يأتى على خلفية الانسحاب الأمريكى من العراق، والاستعداد للتفاوض مع حركة طالبان وهو ما يدعمه اعتزام قطر فتح مكتب للحركة فى الدوحة، وهذا معناه توالى إغلاق الملفات العسكرية الأمريكية المفتوحة لا فتح المزيد منها. وحدها فرنسا لا تستطيع أن تحشد المجتمع الدولى من أجل التدخل فى سوريا، ليس فقط لأن سوريا غير ليبيا ولا يوجد من يمول فاتورة التدخل لكن أيضا لأن رئيسا لا تتجاوز شعبيته ربع المواطنين كالرئيس ساركوزى، لا يستطيع أن يكسب ثقة الرأى العام الدولى. أما فكرة التدخل بالإنابة فلا تبدو قريبة، فإسرائيل لن تسمح بحرف اهتمامها عن إيران، خصوصا أن خنق إيران يشمل ضمنا تضييق النطاق على سوريا.

 

تبقى مطالبة السيد رياض الشقفة الأمين العام لجماعة الإخوان المسلمين فى سوريا بأن تتدخل تركيا عسكريا بزعم أن تدخلها لا يمثل استعمارا بل يتواصل مع تاريخ انضواء العرب والأتراك فى ظل امبراطورية واحدة. وهذه المطالبة أقل ما توصف به أنها تنفصل عن الواقع، فتعقيدات الوضع فى العراق والعلاقة مع إيران وخطورة الورقة الكردية جميعها تقف حائلا دون هذا السيناريو. فتركيا قد تعاقب سوريا اقتصاديا، وقد يخطب رئيس وزرائها ووزير خارجيتها خطبا عنترية تتحدث بنفاد صبر عن سياسات بشار الدامية، وهى قد تفتح أراضيها لمؤتمرات المعارضة السورية ولخيام اللاجئين إليها، لكن من المستبعد أن تتورط فى تنفيذ ما هددت به من إقامة منطقة عازلة أو آمنة مع سوريا، فمثل هذه المنطقة تستدعى حدا أدنى من الوجود العسكرى كما هو حال الممرات الآمنة، وفى الأخير فإنها لا تحل إلا مشكلة اللاجئين لها فماذا عن حال باقى السوريين؟

 

●●●

 

التحليل السابق يفضى إلى نتيجة مؤادها أن الحل ينبع من داخل سوريا لا من خارجها، وقد أضافت تجربتا العراق وليبيا حاجزين نفسيين إلى عشرات الحواجز النفسية والوطنية والعربية المرتفعة أصلا فى وجه التدخل الدولى. هذا علاوة على أنه عمليا لا سند لتكرار تجربة الحظر الجوى فى ليبيا لأن سلاح الطيران السورى خارج إطار معركة النظام مع الشعب. إن المطلوب من القوتين الأكبر للمعارضة السورية ليس هو التوحد الهيكلى بالضرورة طالما أن ذلك يتعذر فى ظل الوضع الراهن، كل المطلوب هو تنسيق مواقفهما فيما هو متفق عليه. ولقد تضمنت وثيقة التفاهم التى وقعاها خارطة للطريق تبدأ بإسقاط النظام ومؤسساته ثم تنتقل إلى وضع دستور جديد فانتخاب برلمان ورئيس. بل إن الوثيقة خاضت فى تفاصيل أدق تتعلق بشكل نظام الحكم ومنظومة الحقوق والحريات المدنية والسياسية. ومعنى هذا أن هناك العديد من جوانب الاتفاق بين الطرفين، وأنا أربط بين تأكيد هذا الاتفاق وبين تفكيك بنية النظام التسلطى السورى عسكريا وسياسيا. فلا أحد تخفى عليه المخاطرة العالية التى ينطوى عليها الانشقاق على النظام خصوصا إن جاء من قبل أفراد من الجيش السورى، ومن غير المتصور أن يقدم أحد على تلك المخاطرة فى ظل عدم يقين من صلابة المعارضة بل وتشرذمها وتبادلها الاتهامات التى تصل إلى حد العمالة للنظام أو للغرب.

 

وإذا كان تماسك المعارضة خطوة أولى على طريق التغيير الحقيقى، وتَحَللُ مراكز القوة السياسية والعسكرية للنظام خطوة ثانية، فإن تحول المظاهرات الشعبية إلى حركة عصيان مدنى شامل يمسك بمختلف أنحاء الجمهورية ولا يسمح لبشار بظهور آمن فى ساحة الأمويين أو غيرها هو خطوة رئيسية ثالثة. ولا ننسى أن النظام المصرى لم يسقط إلا عندما امتدت الثورة من ميادين التحرير فى المدن إلى حدود مصر.وقبل المطالبة بعزل نظام بشار الأسد خارجيا لا بد أولا من عزله داخليا، وهذا يقتضى إتلاف أوراق الإرهاب والأقليات والمؤامرة ومواجهة إسرائيل التى يستخدمها هذا النظام بامتياز وتحتفظ له بتأييد بعض المواطنين. إن المفتاح لأسباب إقليمية ودولية يكمن داخل سوريا لا خارجها، وثقتى كبيرة فى أن الشعب السورى الذى قدم كل تلك التضحيات الضخمة لن يسمح لأحد أن يسرق ثورته وينسبها لنفسه.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات