القطط السمان - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 4:19 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

القطط السمان

نشر فى : الإثنين 20 يناير 2014 - 8:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 20 يناير 2014 - 8:00 ص

هذا العنوان لا شأن له بالمصطلح الاقتصادى الذى ظهر فى مرحلة السبعينيات ليصف حال الأشخاص الذين تربحوا وكونوا ثروات هائلة من سياسة الانفتاح التى اتبعها الرئيس الراحل أنور السادات، لكن المصطلح يتعلق بحال الصحة فى مستشفياتنا الحكومية العامرة.

جلست رجاء، عاملة الأسانسير بأحد فنادق القاهرة الكبرى، تحكى لى فى جلسة فضفضة عن أيامها ولياليها فى مستشفى الصدر بالمقطم الذى دخلته مرافقة لأخيها الوحيد الأعزب، فكمال هو آخر طوبة تسند رجاء وتصلب طولها كما قالت بعد أن ذهب الأحبة ولم يبق منهم أحد. تتجنب أن تتلاقى عيوننا، وتخفض صوتها فلا أكاد أسمع منها حرفا وهى تفصح لأول مرة عن أن التدخين والتاريخ الطويل مع الإدمان لهما دورهما فى تعقيد حالة أخيها. تقرأ فى عينى أنى أفهم وأقدر وأعذر فتطمئن وتحكم الطرحة السوداء فوق رأسها لتخفف من صداع هاجمها فيما يبدو، وتواصل الحكى والفضفضة.

•••

من فرط ما ترددت رجاء على مستشفى الصدر تكاد تعرف شخصيا أعضاء هيئة التمريض وتعد على أصابعها أسماء الممرضات كل واحدة منهن يسبقها لقب أبلة. تحكى عن غرفة المستشفى شديدة البرودة التى يرقد فيها مرضى يُفترض أنهم يعانون من مشكلة فى الصدر، عن الماء المثلج الذى يجمد أطرافهم عند الوضوء ويضطرهم إلى التيمم، عن الأغطية التى يأتى بها أهل المرضى من منازلهم ليدفئوا الأجساد الناحلة التى لا يرفق بها أحد، عن الملاءات البالية التى لا تغطى الأسِرة إلا لدقائق يمر خلالها مدير المستشفى ثم تنزع مجددا توفيرا لجهد التنظيف، عن الطبيب إياه المنقطع عن المستشفى من فترة طويلة وليس له بديل يقول البعض إنه فى إجازة ويدعى آخرون أنه اختفى بعد فض رابعة. تحكى رجاء عن موبايل كمال، وآه من هذا الموبايل فإن له قصة تروى، إنه وسيلتها الوحيدة للاطمئنان على أخيها حين تغيب، يجيب بنفسه إن استطاع ويجيب عنه آخرون حين يضع قناع الأكسجين. من أجل ذلك استماتت رجاء فى الدفاع عن موبايل أخيها حين سُرق منه مرتين، فى المرة الأولى لم يهدأ لها بال حتى أعادته، أما فى المرة الثانية فقد بحثت وفتشت لكنها فشلت، وحتى يأتى الفرج من عند الله فإنها ستظل تطلبه على موبايل امرأة طيبة تتردد على زوجها بانتظام فى المستشفى. يريدون أن يقطعوا صلتنا بمرضانا يا دكتورة حتى لا نطمئن عليهم ولا يشكو إلينا من الإهمال الذى يتعرضون له، هكذا قالت لى. وقعت رجاء فريسة نظرية المؤامرة، استبعدت أن تكون سرقة الموبايل بغرض الحصول على المال فالموبايل من طراز قديم لا يساوى شيئا، ومالت إلى الاعتقاد أن إخفاء الموبايل هدفه الوحيد حجب الحقيقة عن أهالى المرضى. فى كل الأحوال تبنى رجاء الفاعلين للمجهول فتقول سرقوا وأخفوا فهى لا تعرفهم ولا تهمها أسماؤهم، الشىء الوحيد الذى يهمها هو أن يُشفى كمال.

•••

عندما ذهبَت رجاء إلى المستشفى هذه المرة أيضا وجدت أن كل شىء على حاله، ربما كانت الملاحظة الوحيدة التى لفتت نظرها هى أن القطط التى تتجول بين أسرِة المرضى وأحيانا تقفز فوقها قد صارت أكبر من المعتاد، تتعثر فيها دون قصد كلما غدت أو راحت، وتخشى منها وهى تتربص بكل لقمة تتناولها أو تلح بها على أخيها كمال. تحكى رجاء بهذه البساطة عن قطط مستشفى الصدر وكأن المشكلة تتركز فى حجم القطط وليس فى وجودها نفسه، لا علِم لها أن القطط تزيد من حساسية الصدر ومن أين لها أن تعلم، بل إنها حتى لو علمت فإن ذلك ما كان سيغير من الأمر شيئا فليس أصعب من العثور على سرير لمريض فى مستشفى حكومى. يا ألله! كم يمكن للبساطة أن تكون مؤلمة، تدفع رجاء وأخوها ثمن ذلك الإهمال الشديد الذى تتغذى عليه القطط وتسمن وترتع، إنها تستسلم مع كمال إلى وجود حيوانات أليفة تمشى بينهما وكل ما ترجوه أن تظل هذه الحيوانات على ألفتها فلا تتوحش ولا تنشب أظافرها فى جسد المريض أو مرافقيه. هذا الأمل على سذاجته بعيد المنال، ففى مكان تحاصره القمامة من الخارج وتنتشر فى داخله الفضلات لا نتوقع للقطط أن تنحل وتضمر.

•••

لا أحد يدرى كم سيمضى من الوقت على كمال وهو راقد فى فراشه، تهاجمه نوبات السعال فلا يُجدى معها قناع الأكسجين نفعا، لكننا جميعا نعلم أنه إن خرج فهو لا بد عائد من جديد، ليس فقط لأنه مدخن شره أو لأنه مدمن سابق بل أيضا لأن البرودة التى تحاصره فى المستشفى والقطط السمان التى تمرح فى غرفته أمور تجعل من عودته مجددا مجرد مسألة وقت.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات