دعوها تفرح بفوزها - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 4:14 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

دعوها تفرح بفوزها

نشر فى : الخميس 20 أكتوبر 2011 - 9:55 ص | آخر تحديث : الخميس 20 أكتوبر 2011 - 9:55 ص

من سخرية القدر أنه بينما تسمح السعودية بتعيين النساء فى مجلس شوراها وبترشحهن فى مجالس بلدياتها، تخرج علينا فى مصر أصوات تعتبر دخول المرأة البرلمان « مفسدة». الرأى المذكور أعلنه الدكتور ياسر برهامى نائب رئيس الدعوة السلفية أمام المؤتمر الأول  « للأخوات السلفيات « بالإسكندرية فى الأسبوع الماضى. منطق برهامى أن البرلمان سيكون من حقه سحب الثقة من الوزارة وربما عزل رئيس الدولة نفسه، وأنه سيمارس العملية التشريعية التى يُفترض أن يمتثل لها المواطنون كافة، وفى الحالتين فإن فى هذا ولاية للمرأة على الرجل والحديث الشريف يقول « ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». أما لماذا يقبل أكبر الأحزاب السلفية وهو حزب النور بترشيح المرأة على قوائمه فهو كما ذكر برهامى إنه ترشيح المضطر فى إشارة إلى اشتراط قانون الانتخابات وجود نساء على القوائم الحزبية المختلفة.

 

●●●

 

بطبيعة الحال هناك مآخذ عديدة على المقارنة السابقة، منها أن القرار السعودى هو قرار دولة وأن موقف التيار السلفى هو موقف قطاع من المجتمع له ما يناظره بالتأكيد فى السعودية، بحيث يمكن القول إنه لو عرض الملك عبد الله قراره المذكور على الشعب واستفتاه فيه فالأرجح أن يرفضه قطاع كبير ليس فقط من الرجال بل من النساء أيضا. ولا ننسى أن خطاب القيادى السلفى المصرى كان فى تدشين أول مؤتمر نسائى لهذا التيار أى أن النساء الحاضرات يشاركن الدكتور برهامى رأيه. كذلك من المآخذ على هذه المقارنة أن القرار السعودى نفسه محاط بالعديد من المحاذير والتحفظات ،أحدها أن تنفيذه لن يبدأ على الفور بل مع أول انتخابات مقبلة على مستوى البلديات ومع أول تشكيل جديد لمجلس الشورى، وهكذا تم استثناء الانتخابات البلدية التى جرت يوم 29 سبتمبر الماضى من المشاركة النسائية. منها أيضاً ما ذكره وزير العدل السعودى د. محمد العبسى عن أن مشاركة المرأة فى الشورى مستقبلاً سوف « تقتصر على الصوت» أى من خلال قناة تلفزيونية مغلقة، وما ذكره عضو هيئة كبار العلماء فى السعودية الشيخ عبد الله المنيع من أنه لا اختلاط فى الشورى كما أنه لا بد من موافقة ولى أمر المرأة على مشاركتها. ويضاف لكل ما سبق أن مجلس الشورى السعودى لا يختص بالتشريع ولا مراقبة الميزانية ولا يتمتع بأى من الصلاحيات البرلمانية قِبَل الوزارة والممثلة فى السؤال والاستجواب وسحب الثقة.

 

إذن هناك مآخذ وتحفظات لكن فى الوقت نفسه لا ننسى أننا عندما نقول إن قطاعاً كبيراً من المجتمع السعودى لو طُلب رأيه فى المشاركة السياسية للمرأة سيرفض، لا ننسى أن هذا القطاع تربى فى ظل نظم متعاقبة تقدم تفسيراً ضيقاً وأحياناً مغلوطاً للنصوص الدينية، نظم لا يعترف قضاؤها حتى ببطاقة هوية المرأة ويشترط حضور وليها لإثبات أنها هى ذاتها، فكلامها مردود حتى فى التعريف بنفسها. أما فى مصر فإن هذا القطاع ينقلب على ميراث دولة لعبت فيها النساء دوراً سياسياً بامتياز منذ مطلع القرن الماضى فقدن المظاهرات وقاومن الاحتلال واتخذت الأمة المصرية من بيت رائدة من روادهن مقراً لها. وهذا يعنى أن النفاذية الاجتماعية السعودية إلى قلب المجتمع المصرى كانت أقوى من ميراث الدولة الوطنية نفسه إلى الحد الذى أصبح معه ظرف الضرورة وحده هو المبرر لقبول العضوية البرلمانية للمرأة.وهنا يصبح السؤال: ماذا يكون حال النساء إن وصل ممثلو هذا التيار للسلطة أو كان لهم تأثير ملموس على العملية التشريعية داخل البرلمان ؟

 

إن الربيع العربى الذى أطاح نظماً كانت تتجمل بإعطاء المرأة حقوقاً اجتماعية لتدارى استبدادها، ونظماً قدمت للمرأة باليمين ما أخذته منها بالشمال واتبعت سياسة الإمساك بوسط العصا لتهدئة النساء والمتشددين معاً، هذا الربيع يطرح تحديات جمة على النساء وينذر بأن يصادر مشاركتهن فى أحداث الثورة لصالح من لا يرون فيهن إلا عورة فى الصوت والصورة. الأدهى أنه عندما يرى المجتمع الدولى ما لا تراه عيون مجتمعاتنا ويبادر بتكريم امرأة عربية ناضلت وحوربت واعُتقلت فإنه يكشف فى غير مواربة عن حيرتنا ما بين الاعتراف بأن لنا وجوداً على خريطة الاهتمام الدولى وبين أن امرأة منا هى صاحبة هذا الوجود.

 

●●●

 

فى البدء كان السؤال : من هى توكل كرمان ؟ وفى إجابة السؤال عرفنا أن هذه المرأة لم تكن نبتاً شيطانياً كنباتات اللبلاب التى تسلقت على الثورات العربية هنا وهناك، بل هى بعضُ من سماد أرض الثورة اليمنية. دافَعت بالكلمة وبالفعل عن حرية الصحافة والحكم الرشيد ومقاومة الفساد منذ ما لا يقل عن خمسة أعوام على اندلاع الثورة اليمنية. ثم بعد ذلك ثار السؤال : لماذا توكل كرمان وليست أى ثائرة عربية أخرى أو فى القليل لماذا لا تقتسم ثلاث ثائرات عربيات جائزة نوبل بدلاً من أن يذهب ثلثاها لامرأتين من ليبريا ؟. والواقع أن من سأل لماذا هى بالذات لا يعرف أن اختيار امرأة من بيئة شديدة المحافظة وفى غمار ثورة لا زال النظام يواجهها بالحديد والنار، هو اختيار بالغ الدلالة على أن المرأة العربية عندما تريد فإنها تنجز ولا يقف أمامها عائق. وأتصور أن إسراء عبد الفتاح ووائل غنيم  كانا واعيين بدلالة هذا الاختيار عندما علقا بالقول إن تكريم توكل هو تكريم للثوار ولكل نساء العرب، ، لكن سواهما لم يعوا بالضرورة دلالة الاختيار. هل كان من الأفضل تخصيص الجائزة بالكامل لنساء الربيع العربى ؟ ربما كانت الإجابة بالإيجاب لكن النظر لنصف الكوب الملآن يقودنا للقول إن تكريم امرأة عربية بثلث جائزة خير من تجاهل عربى للثائرات العربيات.

 

ومن السؤال عن شخصية كرمان وجدارتها بجائزة نوبل إلى السؤال عن انتمائها السياسى، وهنا سمعنا عجباً. تنازع فوز كرمان نظام اليمن ومعارضوه فى آن واحد. اعتبر الرئيس اليمنى أن فوز كرمان هو وليد حرية الرأى والتعبير التى أتاحها نظامه مع أن مطالبة كرمان بهذه الحرية وممارستها لها هى التى زجت بها فى السجن وأدت لاختطاف شقيقتها للضغط عليها، لكنها لم تبال. ونشر حزب الحرية والعدالة ذراع جماعة إخوان مصر فى صفحته الرسمية على الفيس بوك خبر فوز كرمان مشفوعاً بأنها تنتمى فكرياً للإخوان كونها عضو مجلس شورى التجمع اليمنى للإصلاح ذى الخلفية الإخوانية فى اليمن. لم تنكر كرمان انتسابها للإخوان بل هى تباهى به، لكن آراءها السياسية تتجاوز الأطروحات الإخوانية فيما يخص قضية المشاركة السياسية للمرأة. لقد قرأت مقابلة لكرمان نشرها موقع الجمهورية نت   فى يوليو 2010 تنطق بمدى نضج الوعى السياسى لهذه المرأة. فعندما سُئلت هل يأتى يوم قريب تُمثل فيه كنائبة حزب الإصلاح فى البرلمان، كان ردها هو « لماذا نائبة فقط !.. توقع أن ترى توكل كرمان أو أى إصلاحية أخرى رئيسة دولة «. ومعلوم أن إخوان مصر يرفضون ترؤس المرأة الدولة، الأمر الذى يجعل من توكل كرمان إخوانية مجددة إن جاز التعبير.

 

ومع أننى لست من المفتونين بأداة تحليل المضمون فإن إعمال هذه الأداة بخصوص المقابلة الصحفية المذكورة لكرمان سيوضح أنها استخدمت لفظ « الدولة المدنية « خمس مرات كاملة وفى سياقات مختلفة، ومعلوم أن هذا اللفظ يثير حساسية شديدة لدى التيارات الدينية بشكل عام. الأجمل من استخدام اللفظ أن كرمان كانت تتعرف عليه بمؤشراته فتقرنه بدولة المواطنة وبسيادة القانون وبالتحول الديمقراطى والحقوق المتساوية للمواطنين بدون تمييز وبالمشاركة، وهذا كله كلامها هى ومفرداتها هى. لم تتبرأ كرمان من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان ولا العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية ولا أقحمت مصطلح «الخصوصية» لتُلبس الباطل ثوب الحق. ولم تتنصل من نسويتها لكنها رأت أنه لا حقوق سياسية للمرأة فى ظل غياب الديمقراطية.

 

أما آخر الأسئلة فكان : أى مصداقية لجائزة نوبل ؟ وهذا السؤال ليس بجديد فقد أثير بحق كثيرين ممن فازوا بنوبل عرباً مثل نجيب محفوظ والبرادعى وغير عرب مثل كيسنجر وأوباما. ولا أحد ينكر أن مفاعيل السياسة حاضرة فى الإثابة والعقاب فى كل المحافل الدولية لكن السؤال المضاد هو : هل الجائزة تذهب لمن يستحقها أم لمن لا يستحقها ؟

 

●●●

 

أيها المستفيدون من الربيع العربى وأيها المتآمرون على هذا الربيع، إن كنتم لا تستطيعون مكافأة الثائرات العربيات اللائى أخصبن زهور الربيع، أو كنتم لا تحبون مكافأتهن من الأساس، أرجوكم دعوا توكل كرمان تفرح بفوزها وتذوق حلاوة الاعتراف بنسويتها وعروبتها وإسلامها ونضالها، لا تجعلوها تعانى ظلم بنى وطنها العربى مرتين الأولى بالتجاهل والأخرى بالإنكار. فما أقسى أن تسعى رابطة حقوق الإنسان فى اليمن إلى منع تسليم الجائزة إلى توكل كرمان بدعوى أنها كانت تدعو للعنف ولا تبشر بالسلام، فهل بعد هذا الظلم من مزيد؟

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات