صفعة على وجه مصر أم على وجه النظام؟ - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:28 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

صفعة على وجه مصر أم على وجه النظام؟

نشر فى : الخميس 21 مارس 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الخميس 21 مارس 2013 - 8:00 ص

عندما هوت صفعة أحد فحول الإخوان على وجه امرأة مصرية كل جريرتها هى الرسم على الأسفلت، كان هذا أول وأسرع خرق لوثيقة منع وإزالة كل أشكال العنف ضد النساء والفتيات، فالفارق الزمنى بين إقرار الوثيقة وبين الصفعة بضع ساعات لا أكثر. وعندما طارت ميرفت موسى تلك المرأة الناحلة بعيدا عن موقع رسمها بفعل شدة الصفعة، طارت معها البهجة التى عدت بها إلى بيتى بعد أمسية رائعة قضيتها فى «بهية يا مصر» احتفالا بيوم 16 مارس عيد المرأة المصرية. حالة من الشيزوفرينيا ولا شك تعكسها المفارقة بين تكريم مصابات الثورة ومناضلاتها فى مقر «بهية يا مصر»، وبين ضرب ميرفت وأمثالها وسبهن بأقذع الألفاظ عند مقر مكتب إرشاد الإخوان. لكن هذه الشيزوفرينيا ليست جديدة على نساء مصر، بل هى تعكس حالهن بعد الثورة، وتجسد جدلية القمع والمقاومة التى لا تنتهى أبدا بين نساء مصر والسلطة. تتظاهر النساء فيسحلن ويعرين ويتظاهرن أكثر، يعتصمن ويبتن فى الخيام فتوقع عليهن كشوف العذرية لكن يواصلن الاعتصام وينقلنه من التحرير للاتحادية، تكمم أفواههن  دون حرمة لتاريخ نضالى أو عُمر فإذا بهن يهتفن أعلى وأقوى وأجرأ، تُصفعن وتُطمس رسوماتهن على الأرض فتملأ لوحاتهن الجدران ولا تسقط الفرشاة من أياديهن قط. إما  الثورة وإما القمع، إما النساء مرفوعات الرأس وإما الوطن فى أسفل سافلين.

 

•••

 

من هنا، فمع أنى ككل امرأة مصرية سوية تحسست وقع الصفعة على وجهى فى اللحظة التى طارت فيها ميرفت فى الهواء، إلا أننى وجدت فى المشهد برمته بقعة ضوء تحتاج إلى أن نفسح لها الطريق وأن نزيح الجدران التى تحاصرها حتى تتسع وتنتشر وتبصر مصر نور الشمس. أن تُصفع امرأة مصرية بهذه الوحشية فإن هذا يكشف النظام أمام العالم كله، ويعلن على رؤوس الأشهاد أن هذا النظام لا يحترم التزاماته الدولية. كنا نحتاج إلى وثيقة نيويورك  لننتزع اعترافا رسميا بكل تعهدات مصر الخاصة بالمرأة التى وردت فى بكين وملحقاتها  وفى السيـداو وفى كل قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، لنعود ونحاجج النظام بها ونسأله أين هو من تعهداته والتزاماته الدولية. إن نظاما لا يحترم المداد الذى يوقع به اتفاقياته ومواثيقه هو نظام فاقد المصداقية. لذلك أعتبر أن الإنجاز الأهم لوثيقة نيويورك أنها انبنت على كل الآليات التعاقدية الخاصة بالمرأة وذكرتها عدا ونصا فى متنها، وبالتالى فعندما يقر النظام المصرى الوثيقة  فإنه فى اللحظة نفسها يجدد إقراره بكل الوثائق الدولية ذات الصلة. هل فهمنا الآن لماذا بُذلت جهود مستميتة فى كواليس اجتماع نيويورك من أجل إفشال إصدار الوثيقة؟ لقد كان هدف هذه الجهود هو تعطيل أى التزام مصرى ولو أدبى أمام العالم بشأن حقوق المرأة.

 

سمح لى الاتصال بالدكتورة فاطمة خفاجى العضو فى الوفد الرسمى المصرى لنيويورك بالاطلاع على جانب مهم من جهود مصر لتعطيل إصدار الوثيقة، وكيف حاولت مصر الانسلاخ من مجموعة الـ55 الأفريقية الأكثر تقدما منا بما يقاس فى مجال حقوق المرأة، وتكوين مجموعة مضادة للوثيقة من دول لا يجمع بينها أى رابط. وإلا قُل لى ماذا يجمع مصر وروسيا وإيران وبنجالاديش وقطر وباكستان وسوريا حتى يشكلوا جميعا مجموعة الـ 17 التى أطلق عليها مجموعة العقول المتماثلة عبر الإقليمية؟ غريب جدا أن تنسق مصر مع مندوبة نظام بشار الأسد الذى تحاربه وأن يكون العداء للمرأة هو حلقة الوصل بين النظامين المصرى والسورى. غريب جدا أن تزحف الأصولية الدينية إلى روسيا فتكون لسان حال مجموعة الـ 17 لعرقلة إصدار الوثيقة. غريب جدا أن تحاول مصر إنشاء مجموعة موازية غير معترف بها من الأمم المتحدة تنافس المجموعات الإقليمية المعتمدة، غير مدركة أن ازدواجية العلاقة بين مؤسسات الإخوان ومؤسسات الدولة المصرية لا يمكن أن يُسمح بتسللها إلى عقر دار الأمم المتحدة شديدة البيروقراطية بطبيعتها. لكن هذا ما حدث، وفى الوقت الذى كانت تُبذل فيه الجهود المذكورة داخل أروقة الأمم المتحدة  بدعم من السفير المصرى فى نيويورك وبضغط محموم من بعض المنظمات غير الحكومية  القريبة من الإخوان، كانت مدفعية التيار الدينى الثقيلة تصوب بكثافة على الوثيقة فتتهمها بإباحة الحرية الجنسية المطلقة بما فى ذلك الشذوذ، ومساواة الزانية بالزوجة، وإباحة الإجهاض، والمساواة فى الميراث.. إلخ. اعتمدت هذه المدفعية على بيان الاتحاد العالمى لعلماء المسلمين فى 28/2/2013 أى قبل انعقاد اجتماع نيويورك أصلا، وبدأ الإخوان بالتصويب، ثم تلاهم السلفيون فى مصر ودار الإفتاء فى ليبيا وتوالى القصف بالمبررات نفسها بل وبالمفردات ذاتها التى انتقلت من بيان القرضاوى رئيس الاتحاد العالمى لعلماء المسلمين إلى كل البيانات التالية دون أى تمايز أو اختلاف.

 

•••

 

لكل من أرادوا منع إصدار الوثيقة نقول ها قد صدرت رغم كل محاولاتكم، ولكل من سيحاول الالتفاف على الوثيقة واتهامها بكل نقيصة نقول بيننا وبينكم الوثيقة. لقد قرأت الوثيقة ذات السبع عشرة صفحة كلمة كلمة ووجدتها تقدم تعريفا شاملا للعنف القائم على أساس النوع، ومثل هذا التعريف يسمح باعتبار الحرمان من التعليم، والفقر والتمييز فى الأجر، والتحرش الجنسى فى الشارع والعمل، والإتجار فى البشر، ومنع التمكين السياسى للنساء... كلها من أعمال العنف. وجدت اهتماما خاصا من الوثيقة بالعنف الموجه للنساء المسنات، وبالعنف المنزلى الذى يمثل المصدر الأول للعنف  فى مصر والعالم، وبالعنف الذى يستهدف حرمان النساء من حرياتهن الأساسية وهذا من أنواع العنف الصاعدة فى مصر. الوثيقة اهتمت بتعديل القوانين والسياسات بما يضمن حماية النساء من العنف ومكافحته، واهتمت أيضا بتغليظ العقوبة على العنف ضد النساء ومنع العفو عن مرتكبيه، وحرصت على تشجيع النساء للوصول إلى العدالة والدعم القانونى، ولفتت الانتباه إلى العنف الذى يقترفه مسؤولون فى السلطة ومدرسون ورجال دين وقادة سياسيون ومسؤولون عن تطبيق القانون وهذا غاية فى الأهمية لأنه ينهى حصانة بعض الأشخاص من المسئولية عن العنف. الوثيقة تدمج منظمات المجتمع المدنى فى جهود منع العنف ضد النساء وإزالته إن وجد، وتؤكد على دور جهاز الأمم المتحدة الخاص بالمساواة النوعية فى  الدعم والمساندة. هذا هو قلب الوثيقة، وهذه هذه تفاصيلها، أما ما ورد فى قصف التيار الدينى فمصدره فى رؤوس منسوبيه.

 

•••

 

من حقنا نحن النساء أن نحتفى بوثيقة نيويورك ونشد على أيدى الأمين العام للمجلس القومى للمرأة التى وقفت ضد محاولات تهميشها، وأثبتت أن الصفعة التى طالت ميرفت موسى فى الحقيقة ليست صفعة على وجه مصر إنما الصحيح أنها صفعة على وجه النظام الذى يوقع باليمين الوثيقة وينقض رجاله بنودها باليسار.

 

 

 

أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات