قمة جـبل الثلج فى إيـران - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 4:30 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

قمة جـبل الثلج فى إيـران

نشر فى : الخميس 23 ديسمبر 2010 - 10:54 ص | آخر تحديث : الخميس 23 ديسمبر 2010 - 10:54 ص

 لا يرتبط موضوع هذا المقال بشتاء إيران القارس الذى ضربها ودولا عديدة غيرها إلا على سبيل المجاز. فإقالة منوشهر متقى وهو يقوم بجولة رسمية فى أفريقيا بتكليف من رئيس الجمهورية محمود أحمدى نجاد، إنما تمثل قمة جبل الثلج الغاطس فى الجمهورية الإسلامية.

قمة لا نرى سواها بسبب الستار الحديدى الذى يفرضه النظام على ما يجرى فى داخله من تطورات، والذى يهدف إلى أن يَشخص الإيرانيون والعالم بأبصارهم إلى الخارج وإلى ما تحققه الدبلوماسية الإيرانية البارعة من إنجازات لا إلى ما يعترى الاستقرار الداخلى من اضطراب.

تحدث المسئولون الإيرانيون على مضض عن أن إقالة متقى إنما هى نتيجة منطقية لصراعه مع نجاد منذ نحو عام، بل عن أن عدم التوافق بين الرجلين يعود إلى عام 2005 نفسه الذى صعد فيه نجاد للسلطة عندما قدم تشكيلته الوزارية للمرشد وكان فيها على أكبر صالحى وزيرا للخارجية، لكن المرشد فضل متقى.

وربط المسئولون الإيرانيون فى تحليلاتهم بين إقالة متقى وبين محاولة الرئيس تهميش دور وزارة الخارجية من خلال استحداث منصب المبعوثين المكلفين بملفات مهمة كالشرق الأوسط وباكستان وأفغانستان، وهو إجراء احتج عليه متقى فى صيف هذا العام وأيده فيه المرشد، فما كان من نجاد إلا أن غيّر اسم المبعوثين إلى مستشارين أما مهامهم فظلت كما هى.

وأكد المسئولون الإيرانيون على أن قُرب متقى من على جواد لاريجانى رئيس البرلمان، ومنافس نجاد فى انتخابات 2005، والمعارض لسياساته الخاصة بتقديم البدل النقدى للمحتاجين وبإدارة العلاقات الخارجية، من أسباب إقالة متقى. وأضاف بعض المسئولين أن على جواد لاريجانى يسعى إلى أن يقدم أوراق اعتماده بشكل مبكر كمرشح محتمل للانتخابات الرئاسية القادمة.

وزادوا أن وزير الخارجية الجديد على أكبر صالحى يعد بحق رجل المرحلة، وذلك بحكم خبرته النووية العريضة كممثل سابق لإيران فى الوكالة الدولية للطاقة الذرية ورئيس المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية. هذا بفرض أن الظروف السياسية ساعدت على تحويل صالحى من قائم بأعمال وزارة الخارجية إلى وزير الخارجية المعتمد.

ما سبق كان هو ما نقرأه من تفسيرات لما هو ظاهر من صراعات سياسية على سطح جبل الثلج الإيرانى، أما الجزء الغاطس فلا يقترب منه أحد. وفى محاولة للاقتراب من المسكوت عنه وتفسير ما لم يتم تفسيره يمكن تقديم المبررات التالية :

إن إدراك محمود أحمدى نجاد أنه لا توجد لديه فرصة لفترة رئاسية ثالثة بحكم نص الدستور، يجعله يتصرف بحرية أكبر من أجل انتزاع صلاحيات أوسع لرئيس الجمهورية بما يمثل سابقة يسترشد بها من يأتى بعده.

ومن هنا فإن المسألة ليست أن نجاد يحاول تقليل صلاحيات أحد أفرع السلطة التنفيذية ممثلا فى وزارة الخارجية ولا حتى فى أن نجاد يواجه مجلس الشورى الإسلامى ويعتبر أنه لم يعد يمثل مركز ثقل فى النظام. لكن الأهم أن المسألة تتعلق بإعادة توزيع الصلاحيات السياسية بين مرشد الثورة ورئيس الجمهورية.

ليس من المعتاد أن يتحدى رئيس الجمهورية إرادة المرشد فى العلن، لكن نجاد فعلها عندما تلكأ فى عزل نائبه الأول ونسيبه إسفنديار رحيم مشائى الذى انتقده المرشد ونواب برلمانيون لأنه قال «إن إيران صديقة لكل شعوب العالم بما فيها الشعب الإسرائيلى».

وعندما اضطر نجاد إلى عزل مشائى فإنه جعله مديرا لمكتبه، بل إنه جعله المستشار المسئول عن ملف الشرق الأوسط، وهذا ملف لو تعلمون عظيم. وليس من المعتاد أن يقيل الرئيس وزير خارجيته ــ خاصة إذا كان مرضيا عنه من المرشد ــ بهذا الأسلوب المهين الذى أقيل به متقى بينما هو يحاول إصلاح ذات البين الإيرانى ــ الأفريقى بعد ضجة شحنة الأسلحة الإيرانية التى أوقفتها نيجيريا، لكن أيضا نجاد فعلها واحتفظ بابتسامته الوادعة فى كل الصور الذى التقطت له بعض الإقالة. يريد نجاد أن يقول أنا الرجل القوى فى النظام.

إن الشائعات التى لم تعد شائعات بعد أن سربتها حفنة من وثائق ويكيليكس أن الحالة الصحية الحرجة للمرشد على خامنئى، تؤجج التسابق على تحديد مهام مرشد الجمهورية المقبل، وتغرى نجاد على أن يدلى بدلوه فى هذا الخصوص. من هنا تخرج من بين الأدراج الحجج التى يتسلح بها أنصار تقييد ولاية الفقيه فى المدة وفى الصلاحيات وبما يجعله منتخبا بشكل مباشر، وهى الحجج التى تقول إن ما كان يُقبَل من مفجر الثورة الإمام الخمينى ما كان يجب أن يقبل من خامنئى، فإن هو قُبَل منه على سبيل الاستثناء لا ينبغى أن يمتد إلى من يخلفه

إن هناك عملية استقطاب بطيئة الخطى لكنها تختلف نوعيا عن كل أشكال الاستقطاب السابقة التى عرفتها الجمهورية الإسلامية بين تيارات ومعسكرات وقوى شتى. فما هى مظاهر هذا الاختلاف؟ وما هى دلالته بالنسبة لنجاد؟

أما عن مظاهر الاختلاف فإنها تتمثل فى امتداد الاستقطاب لأول مرة إلى ركيزة أساسية من ركائز النظام وأعنى بها الحرس الثورى. وذلك أن شمول الحزمة الرابعة من العقوبات الدولية القوة الاقتصادية الضاربة للحرس الثورى دفع إلى بروز الاختلاف داخل صفوفه حول تقييم أداء الرئيس، ما بين من يرى أن العقوبات هى ضريبة تصميم الجمهورية الإسلامية على مواجهة قوى الاستكبار العالمى، ومن يرى أن شدة العقوبات تدعو إلى التفكير فى أشكال أخرى لمواجهة، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى يلاحظ أن الحوزة الدينية نفسها تعانى من الاستقطاب على خلفية قضيتين: موقف النظام من آية الله حسين منتظرى حيا وميتاُ، وما تردد عن إعداد خامنئى ابنه مجتبى لخلافته. ومن أجل هذا قضى المرشد ما يقرب من أسبوعين فى قم للتقريب بين رجال الحوزة.

وأما عن دلالة تغير شكل الاستقطاب بالنسبة لنجاد فإنها تتمثل فى حثه على التعجيل بتدعيم مركزه والتخلص من معارضيه أو فى القليل الحد من نفوذهم.ومما يذكر فى هذا الخصوص أن على جواد لاريجانى قام أثناء زيارته لمصر فى ديسمبر 2009 بلقاء مع الرئيس المصرى وكانت له تصريحات إيجابية بعد اللقاء، وهذا ما ترك الانطباع أن لاريجانى يريد أن يكون هو وليس نجاد صاحب الفضل فى إنهاء واحد وثلاثين عاما من القطيعة مع مصر.

ومعلوم أن هذا التطور لو تكلل بالنجاح لكن إنجازا ضخما يحسب للاريجانى، لأنه مع كل قضايا الخلاف الإقليمية فى العلاقات المصرية- الإيرانية، فإن إيران لا زالت تعتبر مصر هى الدولة العربية الأكبر.

لقد أصبح محمود أحمدى نجاد مقتنعا أكثر من أى وقت مضى أن الظرف الإقليمى والدولى قد نضج بما يكفى للتوصل إلى تسوية للملف النووى فى إطار حزمة أكبر من التسويات تشمل قضايا العراق وأفغانستان وأمن الخليج. وأنه إذا كان لاريجانى قد عطل التوصل لمثل هذا الاتفاق فى أكتوبر 2009، فلا يجب أن يُسمح له بتكرار فعلته. وبالتالى فإن إقالة متقى القريب من لاريجانى تمثل رسالة شديدة اللهجة موجهة إليه.

يحل شتاء 2010 فى إيران فإذا هو بالغ القسوة على أهلها، يُسقط الثلج والبرَد، ويجمد المياه والأوصال، ويقطع الطرقات والدروب، أما الساسة والسياسة فيطولهم منه ضباب يلازم الرؤية على طول الطريق.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات