فى أغسطس عام 1988 قبلت إيران قرار مجلس الأمن رقم 598 الذى يقضى بوقف إطلاق النار مع العراق ، وأعلن الإمام الخمينى أنه سوف يتجرع كأس السم أى يقبل بالقرار بسبب التطورات التى شهدتها جبهة القتال مع تصعيد العراق حرب الناقلات وحرب المدن . وفى 17 أبريل الجارى تم الإعلان عن توصل وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجى لاتفاق حول إنهاء الأزمة فى العلاقات الخليجية – الخليجية ، وأُطلق على هذا الاتفاق " وثيقة الرياض " كونه أبرم فى قاعدة عسكرية سعودية بمدينة الرياض . وتعقيباً على هذا التطور كتب الصحفى الشهير عبد البارى عطوان مقالاً فى جريدة رأى اليوم الإلكترونية متحدثاً عن تراجع قطر وابتلاع " مرشدها الأعلى " يقصد الأمير تميم بن حمد " كأس السم السعودى مكرهاً " ، وواقع الحال أن الكأس السعودية ليست كالكأس العراقية والهزيمة العسكرية التى كانت تنتظر إيران لا تهدد قطر، وبالتالى فإن هذه الأخيرة لن تحتسى فى الأمد القريب كأس السم وإن وقعت " وثيقة الرياض "
•••
بادئ ذى بدء من المهم أن نثق أن كل ما نشر عن تفاصيل الوثيقة وبنودها التفسيرية لا يخرج عن كونه اجتهادات لا يوجد ما يدلل عليها. أما ما نشر فى صحيفة الرياض واحدة من أكبر الصحف السعودية فكان مجرد إشارة إلى أن وزراء خارجية دول المجلس أجروا مراجعة شاملة "للإجراءات المعمول بها فيما يتعلق بإقرار السياسات الخارجية والأمنية " ، وأنهم اتفقوا على تبنى آليات " تكفل السير فى إطار جماعى " تحسباً للمساس بأمن دولهم واستقرارها وسيادتها ، وأن ما يحكمهم فى هذا الشأن " المبادئ الواردة فى النظام الأساسى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية" ، هذا كل ما نشر لا أكثر ولا أقل . لذلك فإن أصدق ما وصفت به هذه الوثيقة هو الغموض، حتى أن صحيفة الوول استريت جورنال تحدثت عن أن كثيرين يتساءلون عما إذا كان وزراء الخارجية المجتمعون بالرياض قد توصلوا إلى قرار من عدمه .
وعلى الرغم من ذلك وجدنا من يتحدث عن ترحيل قيادات الإخوان المسلمين من الدوحة ، وثار جدل حول ما إذا كانوا من إخوان الإمارات والسعودية حصراً أم يشملون إخوان مصر أيضاً. وذهب البعض إلى أن قراراً صدر بترحيل الشيخ القرضاوى وأن الأمير تميم رتب لهذا الأمر أثناء زيارته الأخيرة تونس فيما أكد القرضاوى أنه باق حيث هو ، وبادر معارضون تونسيون بالقول إن إخوان مصر غير مرحب بهم . وفيما يخص قناة الجزيرة أشار أكثر من مقال إلى أنه اتفق على لجم هجومها على دول الخليج ومصر ، فإذا بصحف الإمارات تنال فور توقيع الوثيقة هجوماً قطرياً عنيفاً ، وإذا بالجزيرة مباشر مصر تضخم المظاهرات الهزيلة للإخوان كالمعتاد ، والموجة الثورية فى 30 يونيو لا زالت فى عيون الجزيرة انقلاباً عسكرياً . كلام عن بنود غير معلنة لوقف الدوحة إجراءات تجنيس الإخوان ، وتحديد مدى زمنى للتثبت من جدية قطر فى الالتزام بتعهداتها مدته شهران ، وأشياء أخرى لا وجود لها فى الوثيقة فقد أسقط المحللون تصوراتهم على الوثيقة ، ولم يقرأوها كما هى .
•••
لكن دعونا نتحدث عن الحد الأدنى المعلن بشكل رسمى وهو ضمان ألا تؤثر سياسات أى ٍ من دول المجلس على مصالح الأطراف الأخرى وأمنها واستقرارها وسيادتها . وبما أن قطر هى المعنية أساساً بهكذا سياسات فإن المطلوب منها أن تعيد هيكلة رؤيتها لدورها الإقليمى بل والحقيقة العالمى ، وهذا من الصعوبة بمكان ، فلقد استثمرت قطر على مدار ما يقرب من عقدين أموالاً طائلة لتكون قبِلة كل الأطراف المتنازعة من أول السودان وحتى لبنان مروراً بالفصائل الفلسطينية ، تورطت حتى أذنيها فى تفاصيل ثورات الربيع العربى وبشكل خاص فى مصر وليبيا وسوريا واختارت فيها من تراهن عليه ووضعها ذلك فى مواجهة مباشرة مع السعودية ، اشترت متاجر وفنادق وأندية أوروبية شهيرة واستعدت لاستقبال كأس العالم واختارت مقراً لسفارتها فى فرنسا فى مواجهة قوس النصر مباشرة تريد أن تقول لفرنسا الدولة العظمى : نحن هنا . فماذا يمكن أن يحمل قطر على التفريط فى أوراق قوتها والتعامل مع دول المجلس على قدم المساواة ؟
كما تناول الاجتهاد بنود الوثيقة امتد أيضاً إلى سيناريوهات معاقبة قطر فى حال لم تعبأ باستقرار دول الخليج وأمنها وسيادتها . هنا جرت الإشارة إلى الحصار البرى والبحرى لقطر ما يحرمها من تدفق وارادت الأغذية عبر الحدود السعودية ويحول دون استفادتها من تسهيلات ميناء دبى. هذا الحصار موجع بلا شك لكن بالنظر إلى تداخل التركيبة السكانية لدول الخليج فإن بعض الأذى سيصيب شعوب الدول التى تمارس الحصار ، وقد يدفع قطر إلى توثيق علاقتها بإيران بترحيب ربما من الولايات المتحدة التى تأخذ فى تطبيع علاقتها بالجمهورية الإسلامية عبر الوساطة العمانية .
•••
سيناريو آخر أورده البعض يفيد إثارة الخلافات الداخلية ، وهذا أيضاً سلاح ذو حدين بالنظر إلى تعقيدات عملية توريث السلطة فى دول الخليج وآخرها ما ارتبط بالتطورات السعودية . يبقى البديل الأرجح وهو تجميد عضوية قطر فى مجلس التعاون ، وهو خيار ستسنده السعودية والإمارات والبحرين والكويت . أما عمان فلها استقلالها ونمطها الخاص فى سياستها الخارجية . ومع أن هذا الإجراء رمزى بالأساس، إلا أنه الأشد تأثيراً لأنه رغم كل المكابرة لن تشعر قطر بالراحة وجوارها الإقليمى المباشر يكن لها العداء أو فى القليل الخصومة .
إن المشكلة مع قطر لن تحلها وثيقة لكن يحلها وعى حكامها بأن كل أموال النفط والغاز لن تستطيع تغيير حقائق الجغرافيا والديموغرافيا ، وأنه لا نجاح لسياسة خارجية فى ظل وضع داخلى مهدد أو فى القليل قلق . وإلى أن يعى حكام قطر هذه الحقائق فإن الخلاف الخليجى – الخليجى ينتظر جولة أخرى ووساطات أيضاً جديدة.