شغلتنى فى الشهور القليلة الماضية فكرة تجميع عبارات تدل على الخلل الذى طرأ على فهم البعض لمعنى سيادة القانون. هذا البعض لا يقتصر فقط على نفر من رجال الدولة يرون العدالة من خلف عدسات سياسية تحجب الضوء والحقيقة، لكنه يمتد أيضا إلى عدد من أساطين القانون ممن يعتمد عليهم مرفق العدالة فى تسيير شئونه، وهو يشمل أفرادا من المواطنين العاديين الذين يطالبون بحقوقهم مع أن للآخرين حقوقا فى رقابهم فيأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم.
الفكرة فى حد ذاتها ليست جديدة، فقد اعتاد صحفيون بارزون أن يضمنوا مقالاتهم أقوالا مأثورة. لكن الجديد هو محاولة النظر لتلك الأقوال من زاوية تفسير القانون. أما لماذا هذه الزاوية بالذات، فلأن الفهم الشائع للقانون يفتح باب التجاوز، ولأن اختلال العدالة يسبب الإحباط الذى يربطه علماء النفس بالعدوان. مدهش حقا أن نجد أن قيمة العدالة التى دافع عنها صحابى كعمر بن الخطاب أو قديس كسانت أوجستين أو فيلسوف كجون رولز، فى حاجة إلى لفت الانتباه لها بعد كل تلك السنين بل القرون.
فى تعليق أحد أعضاء فريق الدفاع عن هشام طلعت مصطفى، أدلى المحامى الشهير بتعليق على حكم محكمة الاستئناف بتخفيف العقوبة على موكله من الإعدام إلى السجن لمدة خمسة عشر عاما، ونشرته جريدة الشروق فى 30 سبتمبر 2010 قال فيه «قتل سوزان تميم لا يستحق أبدا الإعدام.. إذا افترضنا أن هشام هو القاتل فعلا، فإن سوزان تميم استفزته وخانته ونصبت عليه وحصلت على أمواله ثم رافقت رجلا آخر». اعتبر المحامى المخضرم أن إزهاق روح إنسان غير موجب للقصاص على قاعدة العين بالعين، لأن فى الأمر استفزازا وخيانة ونصبا.
هذا مع العلم بأن علاقة الزوجية بين موكله والمجنى عليها موضع خلاف. وأن ثمة من يقول إن الزوج الأول للمجنى عليها لم يطلقها، وبالتالى فإن ما بنى على باطل يكون باطلا، ونصير والحال هذه إزاء خيانة مؤكدة بالمعنى الأخلاقى لكنها غير ثابتة بالمعنى القانونى. ومع ذلك يقال إن مسئولية القتل بفرض ثبوتها لا توجب الإعدام.
أكثر من هذا تمضى شقيقة المتهم خطوة أبعد عندما تصرخ فى وجوه محاميى هشام فور صدور حكم السجن قائلة «يعنى إيه هشام يتسجن؟» هكذا نستنتج من الاستفهام الاستنكارى الذى أطلقته الأخت المكلومة أن مبدأ العقاب من الأصل غير مقبول، حتى وإن كان سجنا يمكن العفو عن صاحبه لحسن سيره قبل انقضاء المدة القانونية مخصوما منها عامين قضاهما هشام فى السجن منذ عام 2008.
القول الثانى من حوار مطول لمسئول كبير فى الحزب الحاكم مع رئيس تجرير جريدة اليوم السابع فى 22 أكتوبر الماضى، تطرق خلاله إلى وضع الإخوان المسلمين على الساحة السياسية المصرية فقال إن هناك تيارا يحمل هذا الاسم فى الشارع المصرى لكن لا يوجد تنظيم سياسى بهذا المعنى من الناحيتين القانونية والدستورية. وأضاف «لا يوجد شىء اسمه الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين. لا يوجد هذا الاسم.
لأن هؤلاء الناس يتقدمون للانتخابات كمستقلين، والصحف التى تنشر اسم الإخوان المسلمين على أنه أمر طبيعى هى صحف تخالف الدستور والقانون». نفهم إذن من هذه الجملة أن القانون والدستور يمنعان الحديث عن الإخوان المسلمين كتنظيم سياسى، فما بالهما لم يمنعا الدولة من أن تنتج عملا دراميا ممتعا عن الجماعة ليس فقط كتيار دعوى لكن أيضا كتنظيم سياسى، وتبثه على تليفزيونها الرسمى وتموله بأربعين مليون جنيه؟.
فى الوقت الذى ينفى فيه المسئول السابق وجود كتلة برلمانية للإخوان، يتحدث أحد نواب هذه الكتلة فى الإسكندرية عن أن هوى أبناء دائرة الرمل إخوانى، وأن جماعته لو رشحت «كلب ميت هينتخبوه»، وهو تحدٍ مستفز.
القول الثالث أدلى به رئيس اللجنة العليا للانتخابات بتلقائية مدهشة فى الحوار الذى أجرته معه جريدة الشروق فى 31 اكتوبر الماضى، ودار حول ضمانات نزاهة الانتخابات التشريعية المقبلة، وفيه قال ما نصه «إذا حسنت النوايا فكل شىء سيكون على ما يرام». وعندما سأله المحرر نوايا من يقصد، رد قائلا «أقصد الجميع.. ستطلع الانتخابات رائعة حتى لو كان الفراشون هم المشرفون على صناديق الانتخابات».
مثل هذا القول يحل لنا مشكلة التجاذب بين كل من: منظمات المجتمع المدنى التى تدعو إلى الرقابة الدولية، وجماعة الإخوان التى تقبل برقابة الأمم المتحدة، والدولة التى ترفض كلا النوعين من الرقابة، ويفيدنا بأن العبرة فى نزاهة الانتخابات ليست بمصدر الرقابة عليها لكنها بنوايا منظمى تلك الانتخابات والمشاركين فيها. وتلك فيما أعلم هى المرة الأولى التى يُرفع فيها شعار الانتخابات بالنيات.
القول الرابع والأخير من الطريق العام، سيارة تسير متهادية فى شوارع القاهرة قبل بضعة أيام يقودها شاب فى نهاية العشرينيات، وعلى زجاجها الخلفى ملصق شفاف لأغنية الراب الشهيرة: «only God can judge me». والمراد أن أحدا لا يستطيع أن يحاسب صاحبنا حتى وإن أسال دماء الأبرياء على الأسفلت، لأن الله وحده هو الذى يملك سلطة محاسبته.
مبدأ ألا حساب إلا أمام الله يصلح للتطبيق فى مجال العقائد والعبادات لكنه لا يصلح ليحكم على أداء الموظف فى مجال العمل أو الطالب فى الامتحان، وبالتأكيد لا يصلح ملصقا على السيارة فى وقت تعد فيه نسبة ضحايا حوادث الطرق فى مصر واحدة من بين أعلى النسب المماثلة فى العالم.
فى فترة معينة قررت إدارة المرور منع ملصقات السيارات بعد أن صارت أداة للتراشق الطائفى، لكن بمرور الوقت عادت الظاهرة تزحف على زجاج السيارات وانتشرت ملصقات بعضها بذىء والآخر طائفى والثالث يتحدى الدولة، وكلها يتعالى على القانون.
الأمثلة السابقة، وغيرها عشرات، تشير إلى أنه عندما تقوم الدولة بتجريد القاعدة القانونية من عموميتها، وعندما تحل النوايا الحسنة محل الضمانات القانونية فى حماية الحقوق المدنية والسياسية، فلن يتورع المواطنون العاديون عن تحدى القانون والاستعلاء على الامتثال لأحكامه، حتى نصل فى نهاية المطاف إلى نقطة اللاعودة فتنزع آلهة العدالة العصابة التى تخفى عينيها وتضمن لها مساواة الكل أمام القانون، فإذا بالضوء الزائف يبهر عينيها وإذا بكفتى الميزان بين يديها تختلان بالمطلق.