من المعروف أن بعض دول الشرق الأوسط، وخاصة مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وتركيا وإسرائيل وإيران، تمارس نفوذا كبيرا خارج حدودها. وتتمتع هذه الدول بمقومات قوة شاملة، تمتد إلى المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية وتضعها فى موقف فريد من نوعه لتسوية صراعات المنطقة وإطفاء حرائقها. ومع ذلك، فإن السياسات الحالية لبعض القوى الإقليمية تورطها فى صراعات مباشرة أو بالوكالة، كما يتبين فى مجمل أفعال إسرائيل وإيران التى رتبت إدامة العنف فى فلسطين ولبنان وسوريا والعراق واليمن. وعلى النقيض من ذلك، تتبنى مصر والمملكة العربية السعودية استراتيجيات تعطى الأولوية للدبلوماسية والسياسات الخارجية غير العنيفة والحلول السلمية لكسر حلقات الحروب والصراعات والتدخلات العسكرية.
إن كسر حلقات العنف هذه يتطلب استعدادا جماعيا لبناء إطار للأمن والتعاون الإقليمى يرتكز على مبادئ عادلة وقابلة للتنفيذ ويمتد من إيران فى الشرق إلى المغرب فى الغرب ليشمل كل بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وينبغى لهذا الإطار أن يعزز التجارة، ويشجع ممارسات حسن الجوار، ويستغل الموارد الإقليمية لتعزيز الأمن والازدهار. إن عجز القوى العظمى، وخاصة الولايات المتحدة، عن قيادة مثل هذه المبادرة أو عدم رغبتها فيها يؤكد على الحاجة الملحة إلى تحمل اللاعبين الإقليميين لهذه المسئولية.
ومع ذلك، فإن جدوى مساعى جماعية قد تقودها مصر والمملكة العربية السعودية وتدمج الإمارات العربية المتحدة وتركيا وإسرائيل وإيران مشروطة بالتغلب على عقبات كبيرة تشمل انعدام الثقة المتبادل، والأهداف الاستراتيجية المتضاربة، والسياسات المتباينة لحكوماتها. وفى حين قد تجعل هذه التحديات التعاون الكامل غير محتمل، فإنها تسلط الضوء أيضا على الفرص المتاحة لشراكات محدودة بين مجموعات بعينها من هذه الدول على أساس تحالفات مؤقتة. وقد يكشف التحليل الموضوعى للديناميكيات الإقليمية حاليا عن مسارات ممكنة للتعاون الجزئى، مما يوفر نقطة انطلاق عملية لإطار أوسع وأكثر ديمومة.
• • •
إن الشرق الأوسط يجد نفسه اليوم عند مفترق طرق، ويواجه سؤالا أساسيا، ألا وهو كيف يمكن للمنطقة أن تضع حدا للحروب والصراعات وتؤسس لإطار أمنى شامل يمكّن من إنجاز تسويات تفاوضية ويخفف ويمنع الصراعات المستقبلية ويضع الأساس للسلام الدائم؟
إن بعض الحكومات ومنظمات المجتمع المدنى تضع ثقتها فى القوى العالمية، مثل الولايات المتحدة أو الصين أو روسيا أو الاتحاد الأوروبى للتدخل وتحقيق الاستقرار فى المنطقة. ولكن الواقع الراهن بعيد كل البعد عن مثل تلك النظرة المثالية للقوى الكبرى. ففى حين أن الموقع الجغرافى الاستراتيجى للشرق الأوسط وموارد الطاقة والثروات التى يمتلكها تجعله لا غنى عنه للسياسة العالمية، فإن الولايات المتحدة والصين تبدوان مهتمتين فى المقام الأول بحماية مصالحهما المباشرة فى حين يبدو أن روسيا والاتحاد الأوروبى فى صراعاتهما البينية ومع تضاؤل نفوذهما الإقليمى يركزان على إنقاذ مصالحهما المتبقية. وعلى نحو جماعى، تفتقر القوى الكبرى إلى رؤية متماسكة أو إطار سياسى قادر على التخفيف من التحديات الأمنية التى تديم دورات الصراع فى الشرق الأوسط.
الشاهد أن ذلك يشير إلى حقيقة لا يمكن إنكارها وهى إن المسئولية عن إنهاء الحروب وشق طريق نحو الاستقرار فى الشرق الأوسط تقع الآن على عاتق القوى الإقليمية الرئيسية. وإذا كانت دول كمصر والسعودية عازمة على رفض الوضع الراهن الفوضوى وتريد أن تدمج فى جهودها دول كالإمارات وتركيا وإيران وإسرائيل، فيتعين عليها أن تتخذ خطوات استباقية لإعادة تشكيل مستقبل المنطقة. إن حسابات المكاسب والخسائر وكذلك الفرص والمخاطر قد تجبر القوى الإقليمية على استكشاف إمكانات الترتيبات الأمنية الجماعية وسبل السلام المستدام. ومن جهة أخرى، سيرتب استعداد هذه القوى الإقليمية للتعاون ما إذا كان الشرق الأوسط سينجح فى تجاوز دورات العنف والخروج كإقليم أكثر استقرارا فى مشهد عالمى متزايد الديناميكية وغير قابل للتنبؤ.
وعلى الرغم من بروز إسرائيل كفائز استراتيجى فى الصراع الحالى فى الشرق الأوسط، فإنها تجد نفسها فى موقف حرج. ذلك أن ضرورة استمرار ضرباتها العسكرية من شأنه أن يديم حالة عدم الاستقرار. وفى الوقت نفسه، فإن الدمار الذى لحق بغزة وعمليات الطرد والضم والاستيطان الإجرامية فى الضفة الغربية، والوجود العسكرى غير الشرعى فى الأراضى اللبنانية وشن هجمات متتالية هناك، سيقضى على كل فرص الأمن الدائم ويعيق إمكانات التطبيع مع الجوار الإقليمى الممتد. ولكى تتمكن إسرائيل من التحرر من هذه الدائرة، يتعين عليها أن تتخلى عن السياسات المتجذرة فى الإكراه والهيمنة الأحادية الجانب وإنكار حق تقرير المصير للشعب الفلسطينى وعليها أن تسعى إلى تحقيق توافق إقليمى يهدف إلى التوصل إلى تسويات سلمية وترتيبات أمنية جماعية. وبدون هذا التعديل الاستراتيجى، تخاطر إسرائيل بالبقاء متورطة فى صراع لا نهاية له يهدد السلام الإقليمى ويقضى على مصالحها على المدى الطويل.
فى المقابل، بذلت مصر منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ جهودا كبيرة للتخفيف من عدم الاستقرار الإقليمى وإقامة تعاون مع شركاء رئيسيين مثل السعودية والإمارات وممارسة «ضبط النفس الاستراتيجى» إزاء إسرائيل. وعلى الرغم من الدور المحورى الذى تلعبه مصر كوسيط فى الجهود الرامية إلى إنهاء حرب غزة والتخطيط لسيناريوهات ما بعد الصراع وإعادة تركيز الاهتمام العالمى على البحث فى حلول للقضية الفلسطينية، فإن تعنت إسرائيل المستمر أدى إلى توتر العلاقات الثنائية بينهما.
• • •
على الرغم من المصالح المشتركة بين القوى الإقليمية فى الشرق الأوسط، فإن عقبات كثيرة تعوق الجهود الرامية إلى إرساء الأمن الجماعى. ومن أبرز هذه العقبات الاعتماد المستمر على الأدوات العسكرية من جانب قوى كإسرائيل وإيران وتدخلهما المتكرر فى الشئون الداخلية للدول الأخرى. وتؤدى مثل هذه السياسات إلى تآكل الثقة وتفاقم الانقسامات، مما يجعل من الصعب بناء رؤية مشتركة للسلام. ويزيد من تعقيد هذا التحدى تآكل المبادئ الأساسية التى طورتها دبلوماسية التسوية السلمية خلال العقود الماضية مثل الأرض مقابل السلام.
تبرز مصر والمملكة العربية السعودية كاستثناء على توظيف القوى الإقليمية للأداة العسكرية، حيث امتنعتا عن التدخل المباشر أو بالوكالة فى الصراعات الحالية وبرزتا لذلك كقوتين قادرتين على التحرك من أجل استبدال العسكرة بإطار من الأمن الجماعى القائم على الحوار والتهدئة والتسويات السلمية. وعليه، يتعين على مصر والمملكة العربية السعودية أن تتوليا زمام المبادرة فى إطلاق مجموعة أمنية إقليمية على غرار «منظمة الأمن والتعاون» فى أوروبا. مثل هذه المبادرة عليها أن تدعو كافة دول الشرق الأوسط إلى المشاركة فيها طالما أقرت والتزمت بالمبادئ التالية:
1. عدم التدخل: احترام سيادة الدول والالتزام بعدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول الأخرى.
2. حل النزاعات سلميا: اعتماد الحوار والتفاوض وبناء الإجماع لإنهاء الحروب والتخلص من التوترات والصراعات.
3. إنهاء العسكرة: الالتزام بوقف التدخلات العسكرية المباشرة وبالوكالة، ووقف دعم الميليشيات المسلحة وتنظيمات اللادولة.
4. دعم تقرير المصير: وذلك بتأييد الجهود الرامية إلى إنهاء الاحتلال وتفكيك المستوطنات ورفع الحصار وإنهاء ممارسات الفصل العنصرى لتمكين الشعب الفلسطينى من الحصول على حقوقه المشروعة.
5. الانتصار للدولة الوطنية والحفاظ على مقومات أمنها وتماسكها: يتعين على «منظمة الأمن والتعاون فى الشرق الأوسط» المقترحة تطوير مبادرات لإعادة بناء واستقرار الدول التى أوشكت على الانهيار بفعل الحروب الأهلية والصراعات المحلية، وللقضاء على وجود الميليشيات والجهات المسلحة غير الحكومية والجماعات الإرهابية، ولتدعيم التعاون بين الدول المستقرة لتحقيق معدلات أعلى من التنمية المستدامة فى عموم المنطقة.
فقط الالتزام بهذه المبادئ ووضعها فى سياق جماعى كمنظمة الأمن والتعاون المقترحة هو الذى من شأنه أن يوفر مسارات حقيقية لإنهاء الحروب القائمة وحل الصراعات المتجذرة وتعزيز التنمية المستدامة فى مختلف أرجاء الشرق الأوسط.