الذين اندهشوا من الأزمة السياسية العارمة التى ثارت فور الإعلان عن تشكيل الجمعية التأسيسية هم أنفسهم الذين كانوا قد اندهشوا لتمسك القوى المدنية على مدار عام كامل بوضع معايير واضحة وشفافة لاختيار أعضاء هذه الجمعية. ولسوف تجدهم يندهشون مجددا بعد بضعة أسابيع حين تنفجر أزمة أكبر وأعمق عندما يخرج دستور لا يعبر إلا عن تيارهم فتثور ثائرة الذين تحسبوا لهذه النتيجة وبالتالى ثابروا طيلة عام مضى على طرح فكرة المبادئ الحاكمة للدستور، ولم يلتفت إليهم أحد.
لكن الأزمات كما تصنع الدهشة فإنها قد تفجر أيضا بعض المواقف الطريفة. وقد قيل كلام كثير عن أن معظم الأسماء ، التى تضمنتها كراسة المرشحين الذين جاوز عددهم الألفين، لم تكن معروفة للسادة النواب المنتخبين فى مجلسى الشعب والشورى، ومع ذلك فإنهم دُعوا للاختيار من بينها والتصويت عليها. أما أطرف ما ورد فى هذا المقام وساهم فى التخفيف من حدة شد الأعصاب فكان ما نشر فى جريدة الشروق يوم 26 مارس الماضى فى الصفحة 6 حول السير الذاتية لبعض أعضاء الجمعية التأسيسية، ففى تعريف العضو بسام محمد متولى ورد ما يلى «مجهول». توقفت عند هذا التعريف الذى هو تعريف بالتجهيل لشخص يٌفترض أنه سيضع لمصر دستور ثورتها. قد يُفهم أن يشار بكلمة «مجهول» أو بعبارة «لم يستدل عليه أحد» لشخص راح ضحية حادث طريق أو كارثة طبيعية ، أما أن ترد هذه الإشارة فى تعريف أحد المائة المبشرين بوضع دستورنا ، فهذا لعمرى جديد تماما. وإذا كان هذا شأن الصحافة التى حرفتها البحث عن المعلومة فكيف للمواطن العادى أن يعرف شيئا عمن يضعون له الدستور؟
ولأننى أعكف حاليا على قراءة أعمال لجنة 1922 التى عٌهد لها بوضع دستور 1923 والتى سوف أنقل للقارئ فى مقال لاحق جوانب من مداولاتها لأنها متعة حقيقية على المستويين الفكرى والسياسى. أقول لأننى أعكف على قراءة تلك الأعمال فقد بدت لى المفارقة واضحة بين الأعلام الذين ضمتهم لجنة الثلاثين فى العشرينيات من القرن الماضى وكثير من الأسماء التى لا يعرفها أحد والتى وردت فى تشكيل الجمعية التأسيسية الحالية. ولو أنك عزيزى القارئ عُدت إلى أسماء هؤلاء الثلاثين فلن تجد بينهم مجهولا واحدا ، بل إنك ستجد عبدالعزيز باشا فهمى المحامى ثم رئيس محكمة الاستئناف ثم النقض فوزير الحقانية لاحقا. وفهمى هو صاحب الموقف المشهود الذى رفض فيه التصديق على قرار شيخ الأزهر بعزل على عبدالرازق بسبب كتاب «الإسلام وأصول الحكم مبررا رفضه بأنه لم يجد» أدنى فكرة يؤاخد عليها مؤلفه» ومفضلا الاستقالة من الوزارة على أثر ذلك. ستجد أيضا على ماهر باشا أول أستاذ للقانون الدولى وأحد أشهر رؤساء وزراء مصر، وإبراهيم بك الهلباوى أول نقيب للمحامين ، والشيخ شمس الدين محمد بخيت الأستاذ الأزهرى والفقيه والقاضى ، والكل على هذه الشاكلة. أما الجمعية التأسيسية الحالية فقليل من أعضائها أعلام وخارجها علماء مبرزون فى القانون والسياسة والثقافة والاقتصاد والعلوم الطبيعية، ومنهم من يحمل أرفع الأوسمة الدولية ناهيك عن جائزة نوبل للسلام.
●●●
وبعيدا عن مسألة المعلوم والمجهول فإن عدم الاحتكام إلى معايير موضوعية فى الاختيار أدى للتضحية بأسس كثيرة لا غنى عنها عند صنع دستور أمة فضلا عن أن تكون هذه الأمة قد صنعت ثورة. الأساس الأول هو المساواة بين المصريين وعدم التمييز بينهم بسبب الدين أو الجنس أو اللغة. لكن ما حدث أن المرأة طلبت تمثيلها بنسبة 50 % فإذا بها تُمثل بـ6% فكيف تم حساب هذه النسبة ؟. إن التمثيل المخزى للنساء داخل الجمعية التأسيسية وتجاهل الكفؤات منهن وعددهن بالآلاف فى شتى المجالات لهو دليل على النظرة البائسة التى ينظرها التيار الدينى للمرأة. وما لحق بالمرأة لحق بالأقباط فهل يعقل أن يُمثل أقباط مصر فى عشرينيات القرن الماضى بخمسة أعضاء ويمثلون فى الجمعية التأسيسية الحالية ذات المائة عضو بستة أعضاء لا أكثر ؟ مع الأسف فإن الفارق بين تمثيل الأقباط فى الهيئتين هو بالضبط الفارق بين مِصرين.
الأساس الثانى الغائب هو الديمقراطية ، فالإرادة الشعبية التى يتغنى بها أنصار التيار الدينى صباح مساء ذُبحت فى تشكيل الجمعية التأسيسية مرتين. المرة الأولى بضم مرشح أسقطته الإرادة الشعبية فى انتخابات مجلس الشعب لعام 2011 وهو محمد يسرى إبراهيم الذى خسر المعركة الانتخابية فى دائرة مدينة نصر أمام منافسه مصطفى النجار. فهل يتصور عاقل (ديمقراطى) أن يُضم الشخص الخاسر ويُستبعد النائب الفائز؟. وكيف بمن أسقطه الناخبون بعد معركة انتخابية شرسة يتسلل إلى الجمعية التأسيسية ويُمنح حق المساهمة فى كتابة الدستور. أتفهم تماما امتناع النائب المحترم مصطفى النجار عن المشاركة فى التصويت على أعضاء الجمعية التأسيسية ، فبالدين حُورب فى دائرته الانتخابية وبالدين هُمش داخل البرلمان. والمرة الثانية التى أُهدرت فيها الإرادة الشعبية كانت بتجاهل كل القيادات الطلابية المنتخبة والاستعاضة عنها بطالب واحد هو أحمد أيمن المراكبى الذى لا يملك فى الظاهر من مبررات تزكى عضويته فى الجمعية التأسيسية إلا صفته الإخوانية ، فما شأن هذا بالدستور؟
الأساس الثالث الذى ضُرب فى مقتل هو العدالة. فإذا كان التيار الدينى قد تم تمثيله فى الجمعية التأسيسية بنسبة 37% (بواقع 25 عضوا من أعضاء مجلس الشعب و12 عضوا من أعضاء مجلس الشورى )، فإن هذا كان يفترض إفساح النسبة الباقية لتمثيل مختلف التيارات السياسية التى لم تحظ بتمثيل مناسب فى البرلمان. لكن مع ذلك فإن قائمة الأعضاء من خارج البرلمان تضم أسماء مثل نادر بكار المتحدث باسم حزب النور وعبدالرحمن البر عضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان ، فما هو بالضبط الفارق بين أعضاء الداخل وأعضاء الخارج؟. من جهة أخرى إذا صح التعريف الوارد لأسامة إبراهيم (فى عدد جريدة الشروق الذى سبقت الإشارة إليه) بأنه رئيس جامعة الإسكندرية وعضو جماعة الإخوان ، يكون السؤال هو : لماذا رئيس جامعة الإسكندرية وليس رئيس جامعة القاهرة مثلا ؟. وإذا جاء الرد بأن الرئيس الحالى لجامعة القاهرة كان عضوا سابقا فى الحزب الوطنى تكون المحاججة بالقول إن رئيسى الجامعتين منتخبان ، وقد اتفقنا على احترام نتائج الانتخابات حتى إن لم تأت بالضرورة على هوانا ، أو ليس كذلك ؟. ومن جهة ثالثة وقع تغليب الاعتبار الدينى فى اختيار ممثلى المصريين فى الخارج والرياضيين والفنانيين والشخصيات العامة بغض النظر عن الأهلية لعضوية الجمعية التأسيسية. ولذلك فإننى أقدر كثيرا اعتذار لاعب الكرة محمد أبو تريكة عن عدم المشاركة فى الجمعية لأنه كما قال ليس مؤهلا لذلك.
الأساس الرابع والأخير هو المتعلق بتمثيل الثورة صاحبة الفضل فى تشكيل البرلمان بغرفتيه معا. فأين ممثلو حركات كفاية و6 أبريل والاشتراكيين الثوريين وائتلاف شباب ماسبيرو... إلخ؟ أين من مهدوا الميدان يوم 25 يناير كى ينزل إخوة الجماعة بعدها بثلاثة أيام وقد اطمأنوا إلى جدوى المشاركة ونفعها؟. فى مرافعته أمام مجلس الدولة فى القضية المرفوعة ضد القرار الخاص بتشكيل الجمعية التأسيسية، ذكر جابر جاد نصار أن 5% فقط من أعضاء هذه الجمعية تقل أعمارهم عن 45 عاما ، ثم يتحدثون بعد ذلك عن أننا إزاء ثورة شباب.
●●●
الهوى الدينى والانحياز السياسى هما إذن أوضح ما يكونان فى تشكيل جمعية وضع الدستور. والعجلة الشديدة فى دعوة الناس لوضع معايير تشكيل الجمعية ثم فى مطالبة النواب باختيار الأعضاء المائة أمر يثير الريبة بالتأكيد. يكفى أن نعرف أن من يتقدم للالتحاق بجماعة الإخوان المسلمين يحتاج إلى مدة تتراوح بين شهرين وثلاثة حتى ينتهى فحصه بواسطة لجنة الدعوة ويصعد إلى مرتبة محب للجماعة ، فهل يكون حب الجماعة أدعى للتدقيق فى شروطه من حب الوطن وكتابة دستوره؟. وإذا قلنا إن معايير عضوية التنظيم المغلق تختلف عن معايير عضوية المؤسسة فلماذا الإصرار على زيادة نصيب أعضاء الجماعة فى أداء عمل مؤسسى بامتياز؟.
فى حلقة الثلاثاء 27 مارس من برنامج الحياة اليوم الذى يقدمه شريف عامر ، تساءل النائب الإخوانى محمود عامر كيف تُقدم بعض القوى والتيارات السياسية على تشكيل جمعية تأسيسية موازية للجمعية التأسيسية التى انتخبها نواب الشعب؟. ولم أستطع أن أمنع نفسى من واقعة مشابهة عندما قيل لحسنى مبارك فى أواخر عهده إن القوى السياسية المعارضة شكلت برلمانا موازيا للبرلمان القائم، فضحك غير عابئ قائلا قولته الشهيرة «خليهم يتسلوا»، ومن بعدها كان، فى بر مصر ما كان وإن من شر البلية ما يضحك.