فى جدوى أن تكون إيجابيا - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 4:07 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

فى جدوى أن تكون إيجابيا

نشر فى : الخميس 30 سبتمبر 2010 - 10:07 ص | آخر تحديث : الخميس 30 سبتمبر 2010 - 10:07 ص

 لازمت الإرشادات الصحية ظهور كراريس التلاميذ على مدى الخمسينيات والستينيات، اغسل يديك قبل الأكل وبعده، حافظ على نظافة فصلك، ألقِ القمامة فى سلة المهملات، فكنا نغسل ونحافظ ونلقى. كنا نستجيب لأن النظام كان يعمل لم تتعطل مفاصله ولا شاخت تروسه، كانت علاقتنا به متبادلة، وكان الإنجاز فيه يظهر ويُكرم صاحبه.

لا معنى لأن تكون إيجابيا فى نظام شائخ، فالحركة وسط السكون عديمة الجدوى، والإيجابية مع الركود العام لا مردود لها إلا الإحباط. لو تحركت أنت وكل ركاب الحافلة معا فإن هذا لن ينقلها خطوة واحدة إلى الأمام، هى تسير فقط فى اللحظة، التى يدير فيها السائق مفتاح التشغيل.
طاردنى هذا الخاطر وأنا أجرب أن أكون إيجابية فى التعامل مع مشكلة القمامة وأدفع عن محيط سكنى أسراب الغربان الناعقة. أبدأ فأقول إننى لست ممن يتطيرون من الرقم 13 أو القطط السوداء، ولا ممن يفتحون عيونهم على حظك اليوم فى جريدة الأهرام، أو يتعاملون مع نعيق الغراب على أنه نذير شؤم وسوء طالع.

ومع ذلك فإن صوت الغراب فى الصباح ليس ممتعا لى ففى ذاكرتى مخزون جميل لأيام كنت أنتبه فيها على زقزقة العصافير قبل أن يطالعنى وجه أمى الرائق ويدها الممدودة لى بكوب الحليب.

كانت الأشجار الوارفة تجتذب العصافير لتتعلق بفروعها وتتأرجح، وكنا وكان الجيران ينثرون لقيمات الخبز الفينو على سور النافذة أو الشرفة لتلتقطها العصافير فى وداعة وأمن. كلنا فتحنا أبواب أقفاص الكناريا، التى كنا نحتفظ بها فى بيوتنا وطيرناها فى الهواء، لم تكن بنا حاجة لنحتجزها لأنفسنا فقد كانت العصافير ترفرف من حولنا فى كل مكان.

اليوم أصبح الغراب هو سيد الموقف، هيأت له تلال القمامة مرتعا لا بأس به أبدا. أَخرجُ إلى عملى فى الصباح فإذا القمامة تفترش الطريق، نفايات الليل تسلط عليها أشعة النهار ضوءها فتكشف خبيئتها، أجنحة الغربان تتخافق وتتزاحم على الأكياس السوداء المثقوبة، حاويات القمامة المتهالكة تكاد تختفى خلف سحابة الطيور السوداء تقتات على ولائم جهزناها لها من بقايانا، أكوام من قشر البرتقال المعصور تتجمع على الجانب المقابل للسوبر ماركت الشهير جدا فيما أحد العاملين فيه ينظف زجاج الواجهة. مشهد يسحب من نفسى البهجة، التى تصنعها طلة الصباح فيوسوس لى خاطر خبيث لكنه مريح: عودى للخلف در.

قررت بالعكس أن أكون إيجابية كما يطالبنا الإعلام والمسئولون فى هذا البلد. بحثت عن هاتف مسئول كبير فى محافظة القاهرة لأشكو إليه حال الحى الذى أسكن فيه، وهو بالمناسبة حى محظوظ بمن يسكنه من (كبار) رجال الدولة فجاءت إجابته الصادمة بأن مشكلة القمامة لا حل لها فى الأمد القريب وبأن علينا حتى إشعار آخر أن نتعايش معها. لم أتعايش معها، وَسَّطت من أثق فيه ليحمل إلى رئيس الحى رسالة تطالب بشراء حاويات للقمامة جديدة وكافية فلم يأتنى رد.

أدرت البوصلة فى اتجاه مغاير تماما، ولجأت إلى خطيب مسجد الحى ليخصص خطبة الجمعة للحديث عن فضل النظافة، فخطب ولم يتغير الوضع. اتصلت بالجيران للتعاقد مع جامعى القمامة لحملها من المنازل كما كان يحدث فى الأيام الخوالى، لكن ردهم المنطقى كان أن النظافة مسئولية الحكومة منذ حَمَّلت المواطن قيمتها فى فاتورة الكهرباء.

رشوت جامعى القمامة، نعم رشوتهم، لالتقاطها من الطريق العام فاستجابوا يوما ثم أعرضوا، ولم يكن بوسعى أن أنوب عن حى كامل فى دفع رواتبهم. حاولت فى الحد الأدنى أن ألفت انتباه أحد مسئولى السوبر ماركت إياه ليعدل سلوكه فى التعامل مع قشر البرتقال فكابر قائلا إن جامعى القمامة لا يحسنون التصويب فى الحاوية!!

فى لحظة معينة تَلَبَسنى شعور بأننى وحدى التى أعانى من مشكلة القمامة، أو أن الكل يعانى منها لكن أحدا لا يتحرك لأن النظام نفسه لا يتحرك. الركود يقتل فى النفس مجرد الرغبة فى الفعل والتغيير، لم أجد أحدا يؤازرنى، ولا يدا تصفق معى، وراجعنى أحدهم قائلا إننى أعطى المسألة أكبر من حجمها. وجهة نظر لكنى أرفضها لأن لى أهلا وأصحابا أحرص عليهم وأعرف تماما خطورة أن تحاصرهم القمامة من كل صوب وإن غلَقوا دونها الأبواب، ومع ذلك فلقد وجدتنى بمرور الوقت أستسلم للأمر الواقع. سرى جمود النظام فى مفاصلى مثل الجميع، وكسب طابور اللا مبالين فردا جديدا هو أنا، والأدهى أننى بدأت أعتاد على نعيق الغربان، وخيل إلىّ أن العصافير زقزقت فى غير سياقى وأنها لم تُسمعِنى قط صوتا لها.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات