واقع المثقف العربى المعاصر - قضايا ثقافية - بوابة الشروق
الأحد 6 أبريل 2025 12:29 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

واقع المثقف العربى المعاصر

نشر فى : السبت 5 أبريل 2025 - 7:35 م | آخر تحديث : السبت 5 أبريل 2025 - 7:35 م

نشرت مؤسسة الفكر العربى مقالا للكاتب أحمد فرحات، تحدث فيه عن التحديات التى يواجهها المثقف العربى والتى تعيق دوره فى تشكيل الهوية العربية. كما تناول الكاتب دور السياسة فى تهميش المثقف وتعطيل دوره الإبداعى… نعرض من المقال ما يلى:


يبدو أن المثقف العربى الراهن بات إنسانا محكوما بالكفاح من أجل أهداف غير قابلة للتحقق، مع أنه لم يقصر البتة فى شحذ طاقاته واستقطاباته المعرفية والجدلية تجاه أية قضية مصيرية دهمت وتدهم مجتمعه.
أضحى هذا المثقف مهمشا، فقيرا شاحبا ومبعدا عن مركز القرار.. وكذلك عاجزا حتى عن تلبية حاجاته البدهية فى حياة حرة كريمة ومتوازنة، الأمر الذى دفعه إلى الاستنقاع فى حالات يأس مفتوحة أقعدته عن متابعة ثورته فى تثقيف ذاته وإغنائها، وخصوصا فى عصر تتضاعف فيه أنظمة المعرفة ومستويات الثقافة العلمية والمعلوماتية.
عزلة المثقف أو تهميشه وتحقيره، لا تأتى جميعها من السياسة فقط، وإنما أيضا من غياب ما يمكن أن نسميه فى علم الاجتماع «الأطر الاجتماعية للمعرفة»، هذه التى يفترض أن تكون مهيأة لتلقى الأطروحات المعرفية والثقافية المتطورة والتفاعل معها نقدا واستبصارا تجاوزيا.
سيطرت فى السابق على الفكر العربى دوغمائيات فكرية جامدة وتابعة لمراكز استقطابات سياسية معينة كالفكر الشمولى بتفريعاته كافة.. واليوم نقع فى نقطة الجمود عينها، وإنما فى مضمار الفكر الليبرالى العربى المطروح.. فهذا الفكر بصورته العامة، هو أيضا دوغمائى مقود للغرب بشكل ميكانيكى بليد واستنساخى.
هذا من دون أن ننسى غربة المثقف وخوفه من «الأطروحات الكهفية»، تلك التى تكفره وتهدده سلفا بالقتل والذبح، فتشل فى الأغلب الأعم كل قدرة موضوعية جريئة له، على مستوى مثلا القراءة النقدية للتاريخ والتراث وغربلتهما بصورة حيوية، جدية ومتجددة.
على أن السياسة العربية تتحمل هنا المسئولية الكبرى عن غربة المثقف وتعطل لغته الإبداعية المستقلة، وخصوصا أنها القادرة على رسم برامج التخطيط وتنفيذها، وبناء المؤسسات ومراكز البحوث العلمية والاستراتيجية الحقيقية لا الصورية.. إلخ. فضلا عن إشاعتها أجواء الحرية والتفتح والتنفس.. فللأسف تحولت السياسة العربية إلى ممارسة من دون فكر.. ممارسة تجعلها عاجزة حتى عن فهم مواقعها إزاء ذاتها أولا، ومن ثم إزاء العالم وتطوراته ثانيا.
• • •
ثمة مشكلات متسلطة جمة إذا تتحكم فى عمق أعماق المثقف العربى ووجوده الماثل كشخص اعتبارى لديه مهمات تاريخية لا يتمتع بها غيره، تحول بينه وبين بلوغه مرحلة التنوير المفترضة وفعاليتها فى النقدين الاجتماعى والسياسى.
وحتى الذين يهاجرون من نخبنا إلى الخارج، تراهم يقعون فى دائرة تخبط من نوع آخر، وإن كانوا أوفر حظا من أشقائهم فى الوطن لجهة طرح القضايا ومناقشتها بلا عقد أو تمويهات.
وعلى الرغم من ذلك كله، لا مندوحة للمفكر العربى من أن يراهن على المستقبل، وخصوصا أن التحديات تتغازر، ولا تفترض منه التأجيل البتة. يكفى أن نقلتنا العربية الحاضرة كانت شطحا ارتجاليا مخيفا فى الزمان، لأننا اكتشفنا أنفسنا فجأة وقد انتقلنا من العصر اللاصناعى إلى الوضعية الاستهلاكية غير المنتجة.. وفى هذا ما يعوق ويدمر الحاضر والمستقبل معا.
من جانب آخر، ثمة وعى ساذج لهذه المشكلات الفكرية والثقافية نتلمسه فى أدبيات الكثير من المتمنبرين فى صحفنا وشاشات التلفزة لدينا، فضلا عن مواقعنا الإلكترونية، الرسمية منها والخاصة؛ وأطروحات هؤلاء المتمنبرين لا تعيد إلا إنتاج المنتج إياه تحت مسميات التنوير والعقلانية ومعالجة مشكلات الحاضر بأفق علمى وثقافى متجاوز، بينما هى فى واقع الأمر ليست أكثر من ثرثرة فوق هذه المشكلات وغرارات مكرورة لها دلالاتها على هزيمة العقل.. عقلنا العربى.
مقطع القول إن جعل الثقافة العربية المتجددة مسألة متخثرة بائرة، ليس فى مصلحة أحد فى أوطاننا.. لا السياسى ولا الاقتصادى ولا الاجتماعى.. فضلا عن أنها تضر بالحيوية الاجتماعية العامة، وتحيلها إلى مجرد معاود ميكانيكى بائس ومحبط.
فى اختصار إذا، وبعيدا من أى مداورة نقول، إن أحوال ما تبقى من وعى عربى عام تتطلب منا إنصاف المثقف العربى المنتج، باعتباره من صناع الفكر، ومن واضعى تصورات الأمة، بخاصة فى هذه الظروف الحرجة وفائقة الصعوبة التى تضطرب بنا ونضطرب بها؛ إذ إننا بتنا جميعا - مع الأسف - لا نعرف حتى «الهوية الجديدة» التى بدأت تشكلنا على نمطها الفوضوى اليوم، وإن كان البعض يحيل سببيتها دوما على الأعداء من غرب وصهاينة... إلخ. مع أننا بأنفسنا عربا، وبالأوراق الضاغطة الكبرى التى لم تزل تمتلكها دولنا العربية مجتمعة، وعلى أكثر من صعيد، وفى أكثر من مجال، ما زلنا نمتلك القدرة، لا بل القدرات الفائقة الجبارة التى فى مكنتها قلب الطاولة على الجميع، من أعداء مباشرين وغير مباشرين.
كما نستطيع بأنفسنا، وبكامل وعينا العقلى، إذا ما عرفنا تشخيص الداء والدواء، نستطيع نعم، محق كل هذا العجز الذهنى/النفسانى الذى يتلبسنا، ويشل فينا كل عناصر القوة، بما فى ذلك، بل على رأس ذلك كله، قلاع التخلف المتحكمة برءوس الكثيرين بين ظهرانينا (خصوصا لجهة فهم رسالة الأديان والمعتقدات الدينية على اختلافها) وهو لعمرى تخلف يظل يلغى ما عداه فينا على مدار الوقت.
من جانب آخر، إن المثقف الحقيقى، الفقير والشاحب، وإن كان موجودا فى ما لا حضور مؤثرا له، سيظل، على أى حال، مصابا بقلق المعرفة، وتعيين فهمه لوجوده، ولإنتاج هذا الوجود من جديد.
إنه سيظل مصابا بهاجس النقد والحوار مع معرفة نقيضة.. وهو أيضا وأيضا مدرك تماما لضرورة بناء أدوات معرفية جديدة مختلفة عن تلك التى كان يستخدمها فى نظام فهمه السابق.
• • •
دخلت ثقافة الغرب، كما هو معروف، عمق يومياتنا، ومركزية أسئلة توجهاتنا، والنظر فى رسم خطابات آفاقنا المستقبلية، وحتى الآن، فإن دراسة هذا الغرب وأحواله، من طرفنا عربا، لا تزال شائهة وشبه معدومة. ليس لدينا أى توجه منهجى علمى يعاين حقيقة هذا الغرب، ويؤشر إلى فهمه واستيعاب طردية تحولاته فى الصميم.
وعلى الرغم من ذلك كله، ترانا فى وضعية من هو بأمس الحاجة والضرورة لتحقيق مثل هذه الدراسة أو الدراسات العربية العلمية للغرب.. وما لم تتحقق مثل هذه الدراسات، فسنظل نواجه الغرب بالعقلية اللفظية إياها، وبالحيل المداورة الفارغة التى لا تخفى على أحد، علاوة على التوفيقيات العامة، والانغلاق العنيف على الذات.

ثم لماذا لا يكون هذا التمزق المريع الذى يعيشه العرب اليوم، لماذا لا يكون فى ذروته شهوة اندفاعة للتماسك من جديد، وهذه المرة من بوابة حفظ النوع من الانقراض المتحقق، وخطر الخروج من التاريخ برمته؟!

 

النص الأصلي:
https://bitly.cx/hVPca

قضايا ثقافية قضايا ثقافية
التعليقات