مائة عام على حلم الجامعة - إيهاب الملاح - بوابة الشروق
الأحد 6 أبريل 2025 1:41 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

مائة عام على حلم الجامعة

نشر فى : السبت 5 أبريل 2025 - 7:30 م | آخر تحديث : السبت 5 أبريل 2025 - 7:30 م

(1)
عبر تاريخنا الحديث والمعاصر، وبالأخص تاريخنا الثقافى، والبحث عن حلم النهضة والمستقبل، يلفت الانتباه خصوبة وحيوية تجارب البدايات منذ أن كانت حلمًا يختمر فى أذهان ووجدان النخب المصرية الوطنية منذ النصف الثانى من القرن التاسع عشر، وحتى تحقق بعض هذا الحلم فى صورة منشآت ومؤسسات لعبت خلال عقود تأسيسها الأول أعظم وأجل الأدوار فى تاريخ هذا البلد، بل لا أبالغ لو قلت إن هذا الأثر قد امتد بعيدًا وعميقًا ليشمل أيضًا محيطه العربى والإسلامى كله.
ونحن فى عام 2025 من المفترض أن نكون متنبهين لضرورة النظر والمراجعة لتجاربنا النهضوية الكبرى حتى وإن لم يقدر لها الاكتمال، أو تعثرت لسبب أو لآخر، لكننا لا يمكن أن نتغافل عن قيمة هذه التجارب ولا تأسيسيتها ولا عراقتها ولا ضرورتها الملحة سواء بإعادة النظر والتقييم واستئناف الأهداف المشروعة التى تأسست من أجلها هذه المشروعات (الجامعة، مراكز الأبحاث، المراكز الثقافية الكبرى فى مصر وخارجها، كل جسور ومعابر الانتقال الثقافى والحضارى.. إلخ). ولدينا فى ذلك رصيد هائل من التجارب والخبرات والنشاط لم يسجل ولم يدون ولم يوثق بحقه حتى كتابة هذه السطور، لو ركزنا الحديث على ما كان يجرى فى مصر فقط خلال الفترة من الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وحتى مطالع الخمسينيات من القرن العشرين سيهولنا هذا النشاط العارم، وهذه الحركة المذهلة من البحث عن التقدم والتمدن واللحاق بركب الحضارة والأخذ بأسباب الارتقاء والعمران، ومفتاحها كلمة واحدة فقط «العلم» و«التعليم» و«التحديث».
(2)
كانت «الجامعة» هى قاطرة التقدم الكبرى لتجسيد هذا الحلم والعمل على تحقيقه، والإيمان كل الإيمان بأنه لا نهوض ولا تنوير ولا مستقبل دون تعليم أصيل وحقيقى، ودون الأخذ بأسباب المعرفة الحديثة، والتفكير العلمى، وترسيخ قيم البحث العلمى.
ظهرت الجامعة الأهلية إلى النور فى 1908 بجهود نخبة عظيمة من المصريين، كان فيها السياسى والمناضل الوطنى، والشيخ الأزهرى المستنير، ورجال الطبقة الثرية المؤمنة بحق هذا الوطن فى التقدم والبحث عن موضع قدم بين الأمم، وظلت تصارع من أجل البقاء بكل ما أوتى لها من قوة وعزم وإرادة نخبة الفكر والسياسة المصريين ممن آمنوا بأنه لا سبيل إلى الخلاص إلا بالعلم، وحده، إلى أن جاءت سنة 1925، وبالتحديد فى مارس حتى صدر المرسوم الملكى بتحويل الجامعة الأهلية إلى الجامعة المصرية الحكومية (جامعة فؤاد الأول، ثم الجامعة المصرية، ثم صارت باسمها المعروف حتى الآن جامعة القاهرة).
وتبدأ منذ ذلك التاريخ رحلة عامرة بالإنجازات والأعلام والأحلام؛ تعثرت حينًا وتأخرت أحيانًا لكنها وطوال مسيرتها لم تتخل أبدًا عن حلمها ولا غايتها حتى وإن خذلتها الوسائل والإمكانات وحاصرتها التحديات فى أوقات الأزمات، لكنها ظلت محتفظة بعراقتها وبتاريخها المنير والمشرق والمشرف، وبمدونة أعلامها من أنبغ عقول هذا البلد وأبناء هذه الثقافة (العربية) والتاريخ لا يكذب ولا يتجمل!
(3)
خلال الفترة من 1908 حتى 1925 (سبعة عشر عامًا) فترة اختمار وتأسيس وتجريب وتأطير للممارسة التعليمية ووضع الأسس والمبادئ التى تصون التجربة وتحفظ لها قدر المستطاع تحقيق الغايات والأهداف التى أنشئت من أجلها.
لم يغب لحظة واحدة عن أذهان ولا وعى آبائها أن الجامعة يعنى ارتباطها المطلق بالبحث عن المستقبل، وبالتطلع إلى التقدم والأخذ بأسباب الحضارة والمدنية الحديثة وإلى الإعلاء من شأن الفكر والعلم والثقافة، وإلى ترسيخ القيم المدنية الحديثة، من احترام الآخر والتعددية والتنوع، وحق الاختلاف واحترامه، وحق البحث دون أى قيود أو حدود، وحق طرح السؤال وحق البحث عن إجابات محتملة.. إلخ.
كما ارتبط بأهداف الجامعة وتأسيسها مقاومة التخلف، والتقليد، والانكفاء على الذات واجترار الماضى، وفتح النوافذ على مصراعيها، والانطلاق من الوعى بالذات فى انفتاحها على الآخر، وليس العكس، ومن ثم التأصيل الواعى بالهوية وحضورها دون تعصب أو تطرف أو أى شكل من أشكال الشوفينية والانغلاق.
وكانت الجامعة مرتبطة أيضًا بإعادة النظر إلى ميراث الماضى كله انطلاقًا من الوعى العلمى، النقدى، الحقيقى، وليس الزائف، وإعادة تأسيس علاقتنا بهذا الماضى من منظور تحررنا منه لا خضوعنا له! أو بعبارة أخرى التطلع إلى ميراث الماضى بوصفه نقطة للبداية وليس للنهاية، وبضرورة تجاوزه وليس استنساخه!
(4)
لم يغب لحظة عن أذهان الحالمين بالجامعة أنها ترتبط أيضًا بتعزيز حلم الاستقلال السياسى للفرد والأمة على مستوى التحرر من التبعية، بما هو الوجه الآخر من حلم الاستقلال الفكرى، على مستوى التحرر من الاتباع، وهو التلازم الذى فرض على الجامعة، منذ إنشائها مواجهة كل أشكال الحجر والقمع الاجتماعى ومحاربة التخلف والتعصب والجهالة والخرافة، بالقدر نفسه الذى كان عليها أن تحارب نواقصها التاريخية المزمنة فى مجالات التعليم والمبادلة الفكرية والثقافية.
ولذلك، فيما يقول أحد أبنائها الكبار، كان تاريخ إنشاء الجامعة فى الثقافة العربية هو الثمرة الطيبة الصالحة لدعوة النخبة المستنيرة الخارجة على التقليد، وبجهود الصفوة الواعدة من أبناء الأمة لتحقيق أحلامها بمجتمع متمدين حديث وعصرى.
(وللحديث بقية)