يظل حضور أحمد عدوية، رغم غيابه بالموت، موضوعًا للتأمل والتحليل، مع اتفاق عام على أنه لم يكن موضة عابرة، وعلى أن تأثيره قوى وكبير ومستمر. كان جميل الصوت، ورائع الحضور، ابن بلد بسيط، وإنسانًا وفيًّا لكل من ساعده.
أحببت صوته دائمًا، وكذلك طريقة أدائه منذ أن سمعته لأول مرة فى الصبا فى إعلان تليفزيونى شهير عن خضر العطار، وكان عبدالوهاب شخصيًّا مفتونًا بهذا الإعلان، وباللحن الخاص به.
وما زلتُ أعتقد أن موهبة عدوية، وكثيرًا من أغنياته ومواويله بالذات، حكاية مصرية مدهشة، وصفحة خاصة متفردة فى كتاب «الغناء الشعبى».
ومن علامات تفرد أحمد عدوية ما نسميه بالبصمة المكتسحة فى الأداء، فأى أحد قد يغنى لعدوية، لكنه سيجد نفسه متجهًا حتمًا لطريقة أداء عدوية للأغنية، بل إنك ستسمع عدوية فى أدائه القديم للأغنية، وأنت تستمع لمن يغنى له اليوم.
والعكس أيضًا صحيح، أى أنك عندما تسمع عدوية وهو يغنى مثلًا «خسارة خسارة فراقك يا جارة» لعبدالحليم، ستجد أنه يغنيها بطريقته الخاصة، بمعنى أنه يبرمج أى أغنية لطريقته هو.
قابلتُ خضر العطار فى التسعينيات فى موضوع صحفى، وطوال الحوار كنت أبتسم، والرجل متحيّر من ابتسامتى، لم أقل له وقتها إننى أبتسم لأنى أسمع بأذن الخيال صوت عدوية فى إعلانه الشهير فى السبعينيات لخضر العطار، كخلفية لحوارى الراهن مع الحاج خضر الحقيقى، ومؤخرًا، استمعتُ إلى أغنيتين شهيرتين أحببتهما لأحمد عدوية، من تلحين اثنين من كبار الملحنين. الأغنية الأولى هى «سيب وأنا أسيب» من ألحان سيد مكاوى، والثانية هى «بنج بنج» من ألحان بليغ حمدى، وعدوية فى اللحنين متسلطن، وعلى راحته، وفى ملعبه.
لم أجد التعاون غريبًا، فمكاوى وبليغ لهما بصمات عظيمة فى استلهام الروح الشعبية: مكاوى صاحب الملحمة الشعبية الخالدة «الليلة الكبيرة»، وبليغ مشروعه كله متأثر بالفولكلور، حتى وهو يقدم الوطنى والعاطفى.
اللافت أن مكاوى استخدم فى «سيب وأنا أسيب»، اللازمة الكورالية الشهيرة التى استخدمها فى لوحة الراقصة الشعبية فى «الليلة الكبيرة»، وهى لازمة «يا حلاوة يا حلاولو»، وكأنه يذكّرنا بأنه لم يخرج عن مجال الاستلهام الذى أعجب الناس فى «الليلة الكبيرة»، لكنه يفصّل اللحن الآن على صوت وطريقة أداء عدوية.
اللافت أيضًا أن بليغ يبدأ «بنج بنج» بجملة تؤديها آلة الساكس التى كتب لها أجمل الجمل الشعبية المصرية، مع أنها آلة غربية بالأساس، وكأن بليغ يذكّرنا أيضًا بأنه ما زال فى إطار شعبياته، لكن بصوت وأداء مطرب مختلف اسمه أحمد عدوية.
لكنى أعتقد أن ما جعل عدوية قريبًا أكثر من مكاوى وبليغ، أن عدوية، وكما أؤمن بقوة، كان وظل حتى آخر يوم فى حياته، «مطربًا شعبيًّا كلاسيكيًّا تمامًا»، ورغم بصمته الخاصة، وحركاته واستعراضاته وارتجالاته، ولكن ذلك كله لا يلغى أنه فى جوهر أدائه «مطرب شعبى كلاسيكى».
طريقة الأداء، وتجويده، وحتى جواباته العالية، كلها تعود لتصبّ من جديد فى خانة «التطريب»، وهو عنصر محورى فى أى غناء مصرى كلاسيكى، وليس فقط فى الغناء الشعبى الكلاسيكى، وعظمة عدوية الحقيقية فى «الموال»، وهو عنوان التمكّن والبراعة والاستعراض والارتجال والانتقالات المقامية فى الأداء الكلاسيكى، وليست عظمة عدوية فى الأغنية الإيقاعية، رغم حضوره الخارق فى تلك الأغانى أيضًا.
بحّة الصوت والقفلات الحرّاقة، ونبرة الحزن والشجن، كلها عناصر كلاسيكية تمامًا فى أدائه العظيم، ولذلك لم يكن غريبًا أن يلحّن له بليغ ومكاوى، ولم يكن غريبًا أيضًا أن يحب صوته نجيب محفوظ، وهو من كبار سمّيعة أم كلثوم، ومن كبار سمّيعة الطرب الكلاسيكى القديم عمومًا.
كل هؤلاء فهموا صوت عدوية وأداءه على النحو الصحيح، وكلهم رأوه مطربًا كلاسيكيًّا، بل لعلهم ترجموا حركة عدوية الشهيرة، وهو يرفع عضلات ذراعيه، على طريقة أبطال كمال الأجسام، باعتبارها إعلانًا عن استعراض عضلاته كمطرب، حتى وهو يغنى أغنية شعبية إيقاعية غريبة الكلمات!
أما مسألة كلمات أغنياته المختلفة فهى طبيعية تمامًا أيضًا، لأنه ابن عصره وزمنه، وكان من النادر أن يتعامل مع كتّاب الأغانى العاطفية السائدة، والبديل المنطقى أن يتعامل مع كتّاب آخرين يمتلكون مفردات زمنهم، بالإضافة إلى أن «الأغنية الشعبية» هى الأكثر حساسية وحرية واستجابة لتحولات المجتمع مقارنة بـ«إستاتيكية» كلمات الأغنية العاطفية أو الوطنية، والتى تكاد تمتلك معجمًا ثابتًا.
كان كتّاب الأغانى الشهيرة لعدوية من أبناء الشارع والمقهى، وكان هو أيضًا من أبناء شارع محمد على، وكان المجتمع يتغيّر، وبدا أن عدوية وأغنياته عنوان هذا التغيّر. ومع ذلك، فلا أتفق أبدًا مع من يعتبرون تجربته انقطاعًا كاملًا عن الغناء الشعبى الكلاسيكى، وإنما كانت امتدادًا لهذا الطرب، لكن فى صورة جديدة، فرضها العصر.
سنجد تحولات كثيرة مثل هذه ملوّنة بمكانها وزمانها، فمثلًا كانت بدرية السيد أيضًا ابنة الطرب الكلاسيكى، لكن بتنويعة سواحلية.
تأثير عدوية على من تلاه كان جارفًا من هذه الزاوية، ويمكن أن تلاحظ ذلك بوضوح عند حسن الأسمر وحكيم على وجه التحديد. الاثنان مطربان جيدان، ولهما أسلوب وطريقة، لكن ضجيج الألحان، وصخب الطبقات العليا للصوت، مختلف جدًا عن أداء وارتجالات المؤدى الكلاسيكى المنضبط عدوية.
أما ما يسمَّى بغناء المهرجانات فلا علاقة له على الإطلاق بأداء عدوية أو بصوته.
ظل عدوية فى صميم تجربته مطربًا شعبيًّا كلاسيكيَّا بطريقته، وأعتقد أنه كان يصنّف نفسه كذلك. وحديثه بإعجاب وفهم، طوال الوقت، وحتى وفاته، عن أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم، دليل جديد على تقديره كمطرب له لون، لعظماء الطرب على مرّ العصور.
ورغم أنه كان يحقّق مبيعات أعلى من أغنياتهم، لكن مكانتهم ظلت عالية ومحفوظة لديه، لأنه، بلا جدال، وأولًا وأخيرًا، وبالأساس، ابن هذه المدرسة الطربية الكلاسيكية.