فى ضرورة الإحصاء للمواطنة السليمة والحكم الرشيد والتنمية السوية - إبراهيم العيسوى - بوابة الشروق
الأحد 6 أبريل 2025 4:00 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

فى ضرورة الإحصاء للمواطنة السليمة والحكم الرشيد والتنمية السوية

نشر فى : الأربعاء 20 أكتوبر 2010 - 10:27 ص | آخر تحديث : الأربعاء 20 أكتوبر 2010 - 10:27 ص

 يتيح الاحتفال باليوم العالمى للإحصاء فرصة طيبة لتسليط الأضواء على منهج التفكير الإحصائى، ولتنمية الوعى العام بمعنى الإحصاء والإحصاءات، وبيان دورهما المحورى فى حياتنا، وبخاصة فى البحث العلمى والتخطيط وإعداد السياسات وصنع القرارات المتصلة بمختلف جوانب التنمية.

كما يعد هذا الاحتفال مناسبة جيدة لبيان ما حققه المشتغلون بالإحصاء والإحصاءات من الأفراد والمؤسسات من إنجازات، وإبراز ما يتعين عليهم إنجازه مستقبلا من أجل الارتقاء بما ينتجونه من إحصاءات وتحليلات إحصائية، وتجديد التزامهم بالقيم الثلاث المتفق عالميا على وجوب مراعاتها فى إنتاج الإحصاءات، وهى: الخدمة والنزاهة والمهنية. وأخيرا، يستهدف الاحتفال باليوم العالمى للإحصاء حشد الدعم المعنوى والمادى اللازم للنهوض بالقدرات الإحصائية، وبالتالى تمكين الأجهزة والإدارات الإحصائية من تحسين إنتاج الإحصاءات كميا وكيفيا، وهو ما يساعد فى تنمية ثقة المواطنين فى الإحصاءات.

الإحصاء والإحصاءات

إن الإحصاء ــ أى علم الإحصاء ــ هو ذلك الفرع من فروع المعرفة الذى يزودنا بالطرق السليمة لجمع ومعالجة ونشر البيانات عن الظواهر التى نريد متابعة تطوراتها، ويوفر لنا الأساليب الفنية المناسبة لتحليل هذه البيانات وتحويلها إلى معلومات تفيد فى الإجابة عما يعن لنا من أسئلة حول هذه الظواهر.

كما يضع الإحصاء الأسس العلمية لتصميم وقياس العلاقات أو النماذج التى تساعد فى تفسير سلوك المتغيرات المختلفة والتنبؤ بمساراتها المستقبلية. ويقدم الإحصاء أدوات مهمة للاستدلال الإحصائى، أى الخروج بتعميمات من العينات التى قد لا تضم إلا نسبة يسيرة من إجمالى المفردات المتصلة بالظاهرة محل البحث، وتحديد هامش الخطأ فى النتائج الإحصائية وتعيين مستوى الثقة فيها. ومن خلال هذه المهام يوفر الإحصاء الأساس العلمى لصناعة القرارات فى غياب اليقين.

أما الإحصاءات فهى البيانات التى تجمعها جهات مختلفة لعل أبرزها الأجهزة والإدارات الإحصائية الرسمية والمؤسسات البحثية العامة والخاصة والشركات ومنظمات المجتمع المدنى، كبيانات التعداد العام للسكان والإسكان والتعداد الزراعى وتعداد الإنتاج الصناعى، وبيانات التوظف والبطالة والأسعار والأجور، وبيانات دراسات السوق، ونتائج استطلاعات الرأى العام.

وعموما فإن الإحصاءات هى منتجات نحصل عليها باستخدام الأساليب الفنية التى طورها علم الإحصاء. ولذلك فإن الوعى بأهمية الإحصاءات فى حياتنا لا ينفصل عن الوعى بأهمية الإحصاء كعلم ومهنة.

محو الأمية الإحصائية

لقد ازدادت أهمية الإحصاء والإحصاءات زيادة كبيرة فى العالم المعاصر، وازدادت معها أهمية محو «الأمية الإحصائية»، وإشاعة «الثقافة الرقمية» بين المواطنين.

فنحن نعيش فى عالم متخم بالبيانات والمعلومات، وأصبح من اليسير على الكثيرين من الناس الحصول على كم ضخم منها بفضل وسائل الإعلام والتقنيات الحديثة للاتصالات والمعلومـــــــــات، لاسيـــــما الإنترنت وما تتيحه من نفاذ إلى مواقع الكترونية لا حصر لها تقدم معلومات يتفاوت حظها من الجودة والموثوقية.

وفى هذه الظروف تزداد أهمية اكتساب المواطن قسطا من المعرفة الإحصائية الأولية ومهارات التفكير الإحصائى، وذلك لمساعدته على تمييز الخبيث من الطيب من المعلومات التى يطلع عليها، ولتمكينه من الوقوف على دلالاتها الصحيحة، وعدم التورط فى أحكام أو مواقف خاطئة بناء على هذه المعلومات.

إن الزمن المعاصر هو زمن ازدادت فيه تطلعات الناس للديمقراطية وللمشاركة فى اتخاذ القرارات التى تمس شئون حياتهم.

بل إن «الديمقراطية التشاركية» صارت متطلبا من متطلبات النمو السريع والتنمية العادلة والمطردة، وذلك فضلا عن كونها من العناصر الضرورية للحكم الرشيد والمواطنة الصالحة. وبطبيعة الحال، كلما ازداد الوعى الإحصائى لدى الناس، وكلما ازدادت حصيلتهم من مهارات التفكير الإحصائى، زادت فرص مشاركتهم على نحو فعال فى مناقشة القضايا العامة وفى اتخاذ القرارات بشأنها.

ولا تقوم للتنمية السوية قائمة إلا إذا استندت إلى تخطيط جاد ومتابعة حصيفة، وهو ما يستلزم توافر الإحصاءات الجيدة كما وكيفا، وإتقان استخدام أدوات التحليل الإحصائى والتنبؤ العلمى. وعلى ذلك فإن الإحصاء والإحصاءات من العناصر الضرورية لتحسين الممارسات التخطيطية والارتقاء بالأداء التنموى.

الإحصاءات المصرية

وفى مناسبة الاحتفال باليوم العالمى للإحصاء، ينبغى أن نذكر أن لمصر تاريخا طويلا فى مجال الإحصاء. فقد أجرى أول تعداد منظم للسكان فى 1882، أى منذ 128 سنة، وإن كانت قد سبقته محاولة بدائية فى 1846. وثمة إحصاءات تعود إلى تواريخ أقدم كثيرا، وبخاصة تلك المتصلة بالأراضى الزراعية والإنتاج الزراعى والتجارة الخارجية.

وقد أنشأ الخديو إسماعيل أول جهاز معنى بجمع الإحصاءات فى أواخر سبعينيات القرن التاسع عشر، وهو ما عرف بمصلحة الإحصاء. وفى سياق الاهتمام الفائق للدولة فى العهد الناصرى بالتنمية وبالتخطيط لإنجازها، تقرر فى 1963 الجمع بين مصلحة الإحصاء وإدارة التعبئة فى كيان جديد أطلق عليه مصلحة التعبئة العامة والإحصاء. وقد تحول هذا الكيان فى 1964 إلى الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء الذى لم يزل ينهض بالعبء الأكبر فى مجال جمع الإحصاءات الرسمية ونشرها.

وقد شهدت العقود الأخيرة تطورات مهمة فى النشاط الإحصائى فى مصر. فقد حدث توسع كبير فى جمع الإحصاءات وبذلت جهود طيبة للارتقاء بجودتها وزيادة معدل تكرار جمعها، مع العمل على إتاحة الإحصاءات خلال أجل قصير من جمعها.

ويذكر فى هذا الصدد التحسينات فى التعداد العام للسكان والإسكان والسرعة الملحوظة فى تجهيز بياناته ونشرها، وانضمام مصر فى 2005 إلى المعيار الخاص لنشر البيانات الذى صممه صندوق النقد الدولى، وتطوير نظام الحسابات القومية، وتحسين عينة بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك وتوسيع نطاق المعلومات التى تجمع فيه، مع تكرار البحث كل سنتين بدلا من كل خمس سنوات.

وفضلا على ذلك، فقد أصبح الحصول على كم لا بأس به من البيانات ميسورا من خلال الموقع الإلكترونى للجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء وشبكة إنترنت التى يديرها، وكذلك من موقع مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، ومن مواقع وزارات وهيئات ومؤسسات أخرى كثيرة.

لكن ثمة أوجها للقصور الكمى والكيفى فى الإحصاءات المصرية لم تزل قائمة. ولا شك فى أن الاحتفال باليوم العالمى للإحصاء يقدم فرصة مواتية لحشد الجهود وتوفير الموارد من أجل معالجة ما يمكن معالجته من ضعف فى الإحصاءات المصرية.

ولعل أولى الخطوات على طريق الإصلاح هو إدراك أسباب هذا الضعف، والتمييز بين نواح للضعف يمكن معالجتها فى الأجل القصير أو المتوسط، وأخرى لن يتيسر علاجها إلا فى الأجل الطويل.

رقى الإحصاءات من رقى المجتمعات

ثمة نوع من ضعف الإحصاءات يعود لأسباب هيكلية متصلة بحالة التخلف العام الذى تعانيه مصر، شأنها فى ذلك شأن سائر الدول النامية.

ومن أهم هذه الأسباب: غلبة المنشآت الصغيرة والمتناهية الصغر، وكثرة النشاط الاقتصادى خارج المنشآت فيما يعرف بالقطاع غير النظامى، وانتشار الفقر والأمية، وضآلة القطاع الصناعى الذى يعتبر عاملا أساسيا فى نشر ثقافة الدقة والانضباط وتطبيق المنهج العلمى. ولن تتأتى معالجة هذا المصدر من مصادر ضعف البيانات إلا فى الأجل الطويل مع التقدم المأمول للمجتمع على طريق التنمية الشاملة. ذلك أنه إذا كان الارتقاء بالإحصاء يساعد فى الارتقاء بالمجتمعات، فإن العكس صحيح أيضا، حيث يؤدى رقى المجتمعات إلى الارتقاء بالإحصاءات. ومن هنا فإن الخطوات التى تتخذ لتسريع النمو والتنمية ستمثل أيضا خطوات على طريق تحسين الأداء الإحصائى.

الإحصاءات والسياسات

وهناك نوع ثان من ضعف الإحصاءات يرتبط بما شهده المجتمع المصرى من تحول رأسمالى وما صاحبه من سياسات أدت إلى فتح متسرع للاقتصاد، وخصخصة للقطاع العام، وانسحاب للدولة من الإنتاج والاستثمار الإنتاجى، وتوسيع نشاط قطاع خاص أغلبه غير ناضج ولا إمكانية لتطبيق قواعد الشفافية والحوكمة فيه.

وفضلا على عجز هذه السياسات عن إخراج البلاد من التخلف والتبعية، فإنها قد زادت من مساحة التقديرات الاجتهادية للكثير من المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية؛ وهو ما أدى إلى زيادة الشك فى صدقية الإحصاءات.

وإذا أضفنا إلى ما تقدم تفشى الفساد واستمرار حالة العجز الديمقراطى، وما يصحب ذلك من تدن فى مستوى الشفافية والرقابة والمساءلة، وما يغرى به من تدخلات فى البيانات كسبا للشعبية، لاستبان الكثير من أسباب فجوة الثقة فى الإحصاءات الرسمية.

وعلاج هذا النوع من الضعف الإحصائى قد لا يتم إلا فى الأجل المتوسط، وذلك مع اشتداد الضغوط من أجل التحول إلى سياسات تنشط الدور التنموى للدولة وتزيد من فاعلية التخطيط، وتتوخى العدالة والاستدامة، من جهة، ومن أجل السير قدما نحو حياة ديمقراطية سليمة من جهة أخرى.

الاستثمار فى الإحصاء

ولا يعنى ما تقدم عدم وجود مجالات لتحسين الإحصاءات فى المدى القريب. فأحد أسباب ضعف الإحصاءات وعدم إتاحتها على نطاق واسع هو نقص الاستثمار فى الإحصاء. ولذا فإن زيادة الموارد الموجهة للنهوض بالقدرات المادية والبشرية والفنية للأجهزة الإحصائية، من العوامل المهمة للارتقاء بإنتاج الإحصاءات وتحسين إتاحتها.

وثمة إجراءات أخرى يمكن أن تعمل فى الاتجاه ذاته. منها توجيه اهتمام أكبر لتطوير تعليم الإحصاء، ونشر الوعى الإحصائى وتعميقه، وللتدريب وإعادة التدريب الإحصائى فى الداخل والخارج. ومنها استهداف مستوى أعلى من الشفافية بشأن مصادر البيانات وأساليب وإجراءات جمعها وتجهيزها، وكذلك الإفصاح الكامل عن التعريفات والتصنيفات المعمول بها، مع بيان ما يدخل عليها من تعديلات وأسبابه. ومنها بناء جسور أقوى للتواصل بين منتجى الإحصاءات ومستخدميها، من جهة، وبين منتجى الإحصاءات وأساتذة وخبراء الإحصاء من جهة أخرى. وأخيرا، ينبغى التشدد فى ضمانات نزاهة الأجهزة الإحصائية بتأمين استقلاليتها عن أجهزة التخطيط والتنفيذ، وإسراع الخطى نحو تنفيذ ما تردد منذ سنوات من اقتراحات بإنشاء مجلس أعلى للإحصاء واستصدار قانون للمعلومات.

إبراهيم العيسوى  استاذ الاقتصاد بمعهد التخطيط القومى
التعليقات