لبرنارد لويس المستشرق البريطانى الاشهر كتاب بعنوان «الحشاشون» نشره فى عام 1967 وترجم إلى العربية فى عام 1980( عرّبه الاستاذ محمد العزب موسى). واذا ما قرئ هذا الكتاب الآن وسط الظروف التى تعيشها مصر فإنه يكشف بصورة لا مثيل لها عن أوجه التماثل إلى حد التطابق بين عقائد ومواقف الإخوان والحشاشين. يصل هذا إلى حد قد يصيب القارئ الذى لم يتبين هذا بالذهول.
وبطبيعة الحال فإنه ليس المجال فى هذا المقال بحث ما يكشفه هذا الكتاب بأكمله من تماثل بين الطائفتين تلك التى عاشت فى القرن الرابع عشر الميلادى وتلك التى تعيش الآن فى القرن الحادى والعشرين وإن كانت قد بدأت حياتها فى القرن العشرين وبالتحديد فى عام 1928. ولهذا سنكتفى بقليل من الصفحات من كتاب برنارد لويس. لعل ذلك يفتح المجال امام الدارسين للمقارنة المستفيضة.
<<<
يتناول لويس فى الصفحة الأخيرة من الفصل الثالث من كتابه النظرية الاسماعيلية التى تفرعت عنها العقيدة التى اطلق عليها اسم الحشاشين. ويقول ان نظرية الحشاشين «شمولية لصفة اساسية والمؤمن فيها ليس له حق الاختيار ولكن ينبغى عليه ان يتبع «التعاليم». والامام هو المصدر النهائى للإرشاد، أما المصدر المباشر فهو ممثله المعتمد. والناس لا يختارون إمامهم كما يقول بذلك أهل السنة، ولا يصدرون الاحكام فى صحة الشئون المتعلقة بالدين والشريعة. فالله هو الذى يعين الإمام والإمام هو مستودع الحقيقة وهو فقط الذى يشرع بالعقل والنقل. والإمام الاسماعيلى فحسب بطبيعة منصبه وتعاليمه هو الذى يستطيع ان يفعل ذلك. ولذا هو وحده الإمام الحق، ومنافسوه مغتصبون واتباعهم خطاة وتعاليمهم مزيفة.
«هذه النظرية بتركيزها على الولاء والطاعة ورفضها العالم كما هو اصبحت سلاحا ماضيا فى يد المعارضة الثورية السرية بعد ان تكشفت المطاعن المؤلمة فى الخلافة الفاطمية. وهكذا اصبح الانشقاق عن القاهرة ونقل الولاء إلى إمام غامض مخبوء مطلقا لمقال قوى التأجج والعاطفة لدى الاسماعيليين».
وفى الفصل السادس تحت عنوان «الوسائل والغايات» يقول لويس شارحا اساليب الحشاشين: «فى بعض الاحيان ينظر القاتل والآخرون إلى الاغتيال كواجب تبرره حجج ايديولوجية، إذ يبدو الضحية طاغية أو مغتصبا ويبدو قتله فضيلة وليس جريمة. ومثل هذا التبرير الايديولوجى للقتل قد يعبر عنه بصيغ سياسية أو دينية... وكان الحشاش القاتل يمسك به فى كل الحالات تقريبا فلا يحاول الهرب، بل ان هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأنهم كانوا يعتبرون البقاء على قيد الحياة بعد انجاز المهمة امرا مخجلا». ويطلق لويس على فرق الحشاشين اسم الروابط ويقول ان السمات المشتركة فى هذه الروابط «أنها تتبنى عقائد وممارسات تنتمى إلى الديانة الشعبية ويدينها رجال الدين المحافظون. كما تتميز بوجود رابطة قوية من الولاء بين الرفاق والتفانى فى الخضوع للزعماء ونظام لطقوس الانضمام والرتب المتدرجة».
والامر الذى لابد من تأكيده هو ان المستشرق الانجليزى لويس لم يسع بأى حال إلى كشف ما بين الإخوان والحشاشين من أوجه التماثل. ومع ذلك فإنه يكشف عما كان من علاقة بين الحشاشين والحكام، وكانت علاقة خضوع وخشوع. يقول فى الفصل الخامس من كتابه: «بعد ان استسلم الحشاشون لبيبرس أصبحت خدماتهم الماهرة تحت تصرفه لفترة قصيرة من الزمن» ويضيف : «وقد تحدث مؤرخون متأخرون فيما بعد عن استخدام بعض سلاطنة المماليك للحشاشين للتخلص من مناوئيهم المتعبين». ويصل لويس فى تتبعه لمصائر الحشاشين إلى القرن التاسع عشر «عندما عرف عنهم انهم فى نزاع دائم مع زعمائهم وجيرانهم ومع بعضهم البعض... ان الاسماعيليين كانوا بحقهم «الارهابيين الاول» الذين استطاعوا تطويع الارهاب لتحقيق اهدافهم السياسية. يقول شاعر اسماعيلى فى امتداح الفدائيين: «ايها الرفاق...عندما يأتى وقت النصر ويحالفنا الحظ فى الدنيا والآخرة يستطيع محارب واحد يمشى على قدميه ان يبث الرعب فى قلب ملك تحت امرته مائة ألف فارس أو يزيد»!
<<<
ان هذا الكتاب «الحشاشون» ملىء بالامثلة الدالة على أوجه الشبه والتماثل بين الحشاشين والإخوان المعاصرين دون قصد أو هدف مرسوم من جانب المؤلف. بل ان المؤلف الانجليزى يذهب فى كثير من المواقع إلى حد امتداح عقائد الحشاشين ومواقفهم السياسية. الامر الذى يذكرنا بامتداح كثيرين من السياسيين الامريكيين والاوروبيين فى الوقت الحاضر للإخوان ومواقفهم السياسية حيث يرون انها تمثل آراء الجماهير المسلمة والعربية بوجه خاص. وهى مدائح تعكس اهتمام السياسيين الغربيين بكل ما من شأنه ان يخدم أهداف الطرفين ــ الإخوان من ناحية والسياسيين الغربيين من جهة اخرى ــ السياسية بالدرجة الاولى. ويخدم بشكل خاص سياسات امريكية واوروبية ترمى إلى اضعاف العرب ودولهم والنيل من أهدافهم.
ولا نحتاج فى هذا المجال إلى التأكيد على حقيقة ان التعاطف الذى يبديه السياسيون الغربيون مع اهداف الإخوان وأساليبهم لا يستقيم مع أهداف هؤلاء السياسيين وغاياتهم من محاولة اخضاع الوطن العربى بشكل خاص لقوة الغرب ومصالحه، وان كانت الظروف الحالية تكشف بوضوح عن اتساق الاهداف الغربية مع اهداف جماعة الاخوان وتنظيمهم الدولى. وهذا ما تعكسه الافكار التى تعكسها نصوص عديدة فى كتاب «الحشاشون» لمؤلفه المستشرق الانجليزى.