منذ أن اتخذت أمريكا موقفا أكثر اعتدالا من التغيير الثورى الذى جرى فى مصر، بعد أن حاولت أن تتخذ موقفا معارضا من هذا التغيير أو هذه الثورة، أصبحت أكثر تدخلا فى الشئون المصرية. لقد وجدت أمريكا نوعا من التعويض.
يتضح هذا من حقيقة أن مصر اصبحت أكثر اعتراضا على هذا التدخل الأمريكى مما كانت فى عهد حكم الإخوان القصير. بل إن من الصواب أن نقول إن أمريكا أصبحت، ومعها الطرف الأوروبى، الآن الطرف الحريص على أن تبدو متدخلة فى الشأن المصرى على سبيل إظهار مدى تأييدها لتنظيم الإخوان بعد أن أخرجته الجماهير المصرية والقوات المسلحة من السلطة. إذ تبدو أمريكا قابلة للتناقض فى تصريحاتها ومسلكها الدبلوماسى والسياسى مهتمة بأن تجعل تأييدها للإخوان متسقا مع رغبتها فى أن تستمر العلاقات بينها وبين مصر الرسمية فى مستوى القوة الذى كانت عليه قبل الثورة. بل يمكن الجزم بأن الولايات المتحدة تريد رسميا أن تترك انطباعا ــ خاصة لدى الدول العربية ــ بأنها تستمر فى تأكيد علاقاتها مع مصر حتى وهى تستمر فى تأكيد تأييدها للإخوان. ذلك أن البيانات الأمريكية الرسمية ــ فضلا على الكتابات الإعلامية الكثيرة المعبرة عن تأييدها للإخوان ــ تواكب الاجتماعات المنتظمة شبه الأسبوعية فى القاهرة بين القادة العسكريين القادمين من الولايات المتحدة خصيصا والقادة العسكريين المصريين الذين تشغلهم قضايا مصر الداخلية ربما أكثر مما شغلتهم من قبل.
ويلفت النظر فى هذه الاجتماعات أن ما يصدر عنها من بيانات رسمية لا يتخطى فيما يعبر عنه التأكيد بأنها تعقد لبحث العلاقات المصرية ــ الأمريكية. وبطبيعة الحال فإن هذه البيانات لا ترضى ولا تشبع أى قارئ مصرى لها. فهو يعرف يقينا أنه ليس بين مصر وأمريكا ما يمكن أن يتطور أسبوعيا، ويستلزم بالتالى بحث تطوراتها أسبوعيا أيضا. ويمكننا الجزم بأن هذه الاجتماعات لا تقنع المواطن الأمريكى بأنها تواكب ما فى العلاقات الثنائية من تطورات. لابد ــ على الأقل برأى المواطنين المصريين والأمريكيين ــ أن هناك أمورا فى هذه الاجتماعات المتعاقبة تبقى سرية. مع ذلك يمكن الجزم بهذا بما قالته وزارة الخارجية المصرية فى نقد مواقف برلمان الاتحاد الأوروبى، والذى يتلخص فى أن «التدخل من جانب أوروبا فى الشأن المصرى مرفوض.. وأن المساواة بين الإرهابيين ومؤسسات الدولة غير مقبولة».
•••
إن الولايات المتحدة تبدو حريصة كل الحرص على أن تثبت أن لها دورا فيما يجرى فى مصر. أى أن تثبت أن نفوذها فى مصر يتجاوز النفوذ الأوروبى ويجعلها قادرة على أن توفد أسبوعيا قادتها العسكريين إلى القاهرة لبحث ما لا يمكن بحثه علانية وبصراحة. ولهذا يتجاوز ما يعلن عن هذه اللقاءات مع القادة المصريين فى الإعلام الأمريكى على اختلاف توجهاته ما ينشر فى الإعلام المصرى، على الرغم مما يتمتع به منذ بداية الثورة، وبالأخص منذ الثلاثين من يونيو الماضى من حرية النشر، وهو يتجاوز كثيرا ما عرفته مصر فى السنوات الطويلة الماضية. وقد استطاعت الصحافة المصرية أن تلتقط أنباء مناقشة مجلس الشيوخ الأمريكى فى الأسبوع الماضى العمليات التى تقوم بها «القاعدة» فى مصر. وقد جرت هذه المناقشة تحت عنوان «اتساع عمليات تنظيم القاعدة فى مصر: الآثار المتربة على الأمن الداخلى الأمريكى».
ولا تفوت هنا حقيقة أن أجهزة إعلامية أمريكية أطلقت، فى الوقت نفسه الذى جرت فيه مناقشة مجلس الشيوخ هذه، تحذيرا من أن تتحول مصر إلى «جبهة جهادية» فى ضوء تصاعد حدة وأعداد الهجمات التى تستهدف مصر فى الاشهر الاخيرة. وتواكبت هذه المعالجة الإعلامية الأمريكية مع تحذيرات عكسية ذهبت ــ كما عبر كتاب معهد بروكنجز ــ إلى ضرورة «السعى فى السياسة الأمريكية» إلى منع اتساع دائرة التشدد وضرورة الحد من قدرة الإسلاميين على التطرف فى مصر حتى لا تؤثر على استقرار المنطقة. فالولايات المتحدة عليها ألا تجعل إطلاق سراح مرسى مقياسا لنجاح دبلوماسيتها». غير أن هذا المصدر نفسه لم يتردد فى أن يدعو الإدارة الأمريكية لأن تضغط على الحكومة المصرية لكى تندمج مع قيادات الإخوان للتوصل إلى مصالحة بين الطرفين.. ولن تسمح واشنطن بتجريم الإخوان.. أو التواصل مع المعارضين السلميين.
ويمضى هذا التناقض إلى حد أن معهد بروكنجز طالب فى مذكرة أخرى «بمنع تنظيم الإخوان من التحول إلى جماعة راديكالية (متطرفة) تلجأ لإرهاب يتخطى الحدود المصرية».
هل يمكن أن يكون هذا التناقض قد بحث فى الاجتماعات التى تجمع بين القادة العسكريين المصريين والأمريكيين؟ هذا أمر لا يمكن استبعاده، خاصة إذا كان الجانب المصرى يقاسى من تناقض وجهات النظر الأمريكية.
•••
إن التناقض هو أقصى وأقسى ما يمكن أن يصيب السياسة الأمريكية إزاء مصر والمنطقة بوجه عام. ولكن سكوت القيادة المصرية على هذا التناقض يمكن أن يكون له أثر أشد وطأة. وقد يذهب بعضنا إلى الدفع بأن القيادة المصرية مشغولة فى الوقت الحاضر بما هو أكثر إلحاحا مثل احتياجات الجماهير المصرية وبالفترة المقبلة باعتبارها فترة انتخابات رئاسية وبرلمانية. ولكن لا يمكن الأخذ بهذا الدفع لأن الخارجية المصرية لا دور لها أساسيا على الأقل فى هذا الشأن، ويمكنها أن تتعامل مع البيانات الأمريكية كما تعاملت مع البيانات الأوروبية.. على الأقل.